حوليات شبه ليبية

عام 1911 رستْ البوارج الإيطالية بمحاذاة السواحل الليبية فبدأت بقصف المدن باتصال، بعدها بسنة واحدة كان القائد التركي مصطفى كمال أتاتورك يقاتل بيأس مع الجنود العرب والقبائل الليبية تحت قيادة ضباط أتراك ليشهد بأم عينيه اللا تركيتين مدى العبء الذي تعانيه قيادته التركية بسبب دفاعها المستميت عن أراضي بعيدة عن تركيا نفسها، إنها مسألة ميئوس منها، لاحقاً سيعلن مصطفى كمال أتاتورك نهاية الخلافة العثمانية، الباب العالي والدولة العلية، تاركاً الولايات المريضة البعيدة والتي كانتْ تستنزف من الخزينة التركية ومن الجند الجيش التركي كما كانت تستهلك الكثير من قوة الإمبراطورية المتهاوية، بدت ذات مرة مشرقة كالشمس.

كان ذلك عام 1924 بعدها بسنتين فقط سينشر الروائي الأمريكي أرنستْ همنغواي روايته: ولا تزال الشمس تُشرق The-sun-also-rises همنغواي كان أحد شهود العيان على سقوط الإمبراطورية العثمانية، ذكر بعض القصص عنها في مجمل أدبه، كان قد ولد عام 1899 وبعدها بسنة واحد، خلال عام 1900 انتهت آخر مراحل السلمية في الدعوة السنوسية ضمن الصحراء الليبية، الجماعة الدينية التي أسسها الإمام محمد بن علي السنوسي ثم تركها في عهدة ابنه المهدي السنوسي في احدى أكثر مراحل الدعوة نشاطاَ وسلمية بحيث كسبتْ مساحات واسعة من الأراضي دون أن تنجح رسمياً في تأسيس قوى عسكرية مثل الحركات الدينية الأخرى، ظلت الحركة السنوسية تتعامل مع شعوب ذات طبائع مختلفة، لا تقاتل إلا فيما تراه فعلاً من صميم مصلحتها المعيشية، كانت شعوباً تمتلك حروبها الخاصة، نجاح السنوسية كان يتوقف على إيجاد أساليب إيقاف تلك الحروب المعمرة، لذا ظهور السنوسية بالنسبة لتلك الشعوب كان أشبه بعطلة طويلة لتخلص من القتالات المرهقة والتي استمرت لعقود طويلة، السنوسية جاءت بالسلام مؤقتاً ثم اعتمدتْ على الاقتصاد لتثبيت نفسها، انتقلتْ القوافل ربما للمرة الأولى منذ قرون بسلام تام، فشهدتْ منطقة السنوسية حركة تجارية مزدهرة، جلبتْ لها ثروات هائلة، لكن ذلك انتهى كله خلال عام 1900 ثم بعدها بسنة واحدة فقط ولد أريك آرمار فولي دي كاندول، الذي عمل دبلوماسياً طوال أربعين سنة في شمال أفريقيا، ثم قُدر له أن يُؤلف كتاباً عن السنوسي الأخير الملك الليبي الأول بعنوان: “الملك إدريس عاهل ليبيا حياته وعصره“. نُشر الكتاب عام 1988 في طبعة خاصة من 250 نسخة آنذاك كان طغاة الجيش الليبي قد أسقطوا حكم الملكي سلمياً، في البدء ثم دخلتْ موجة رهيبة من الحروب الأهلية المقنعة.
كان دي كاندول قد شارك في العمل الإداري والاستعماري، تولى منصب كبير مديري ولاية برقة الليبية ومنح نوط قادة الإمبراطورية البريطانية خلال ديسمبر 1948 قبلها بسنة واحد كان إبراهيم الكوني قد ولد في الصحراء الليبية. دي كاندول ساهم في استقلال ليبيا كوطن حر بسيادة كاملة عام 1951 بعدها بأقل من سنة واحدة تحترق العاصمة المصرية القاهرة، ثم يظهر ضباط يحكمون مصر عسكرياً طوال العقود اللاحقة بعد إسقاط عائلة محمد علي باشا، بعد حكم عائلي استمر لقرن من الزمان، كان محمد علي باشا قد انفصل عن حكم الأتراك، فيما تخبط أبناءه بعده بين الابتعاد والاقتراب، في حين كانت الحكومة العثمانية نفسها تترنح حتى أنهاها أتاتورك بقبضة قوية، لتعيش البلاد طوال العقود اللاحقة في تقاليد جديدة أعادتْ الروح التركية قوية من الأناضول، وفي داخل احدى شوارع اسطنبول يولد طفل سيدعى أورهان باموق، يُقدر له أن يتبع خطى أتاتورك بأسلوبه الأدبي المميز في البحث عن روح وطنه ضمن التفاصيل الطفولية، سيزرع مشاعر الشك، الرؤية الصوفية البلهاء، الإحساس المرضي بالعشق والولادة الجديدة مع تفاصيل بوليسية في كل شوارع اسطنبول، تفاصيل معادية لكل التوجهات السياسية لتركيا التي يعيشها في حالة أشبه بما عاشها أتاتورك، إنما هذه المرة، كان باموق يشهد استعداد بلاده لأجل الغرق مجدداً في أحلام توسعية ولو لأمتار قليلة، كان يرى ذلك تدميراً لتقاليد أتاتورك التي عاش كل متناقضاتها!!
بعد ولادة باموق بسنتين، فقط، أرنستْ همنغواي يمد يديه بحماس لاستلام جائزة نوبل للآداب بعد أن كتب إحدى أروع قصص البشرية بعنوان الشيخ والبحر The-old-man-and-sea، هذه الرواية القصيرة بالذات كانتْ قد نُشرتْ في نفس سنة ولادة أورهان باموق، وقبل أن تتم الدولة الليبية سنتها الأولى، كما إنها ستساهم في خلق تلك الروح القوية التي تمتع بها جيل الستينيات، الذي ولد في أتون الحرب العالمية الثانية، فالإنسان قد يهزم، إنما لا يمكن تدميره – هكذا كتب همنغواي في نصه العبقري بالنسبة لأدباء الشعوب المهزومة كان همنغواي شمساً، وهم أشبه بدوار الشمس. أحد هؤلاء كان يدعى غابرييل غارسيا ماركيز كولومبي نحيل كعصفور مبتل، يحمل أوراقاً كثيرة، يعمل بجهد صحيفة كاملة، يكتب قصة كل يوم، يكتب الشعر ويذوي بهدوء كأيقونة من شمع، ثم ترك الشعر الأبله متجهاً إلى عالم القصص مصحوباً بقوة أدب همنغواي، عام 1958 سينجح في نشر رواية قصيرة تعادل الشيخ والبحر قوة وإلهاماً بعنوان: ليس للكولونيل من يكاتبه. خلال تلك السنة بالذات سينشر الصادق النيهوم في احدى الصحف المدرسة بالمملكة الليبية نصاً بعنوان: شعب يكتب تاريخه بالأغنية.
في المكسيك دخل غابرييل غارسيا ماركيز عامه الثلاثين محملاً بمخطوطات نصوصه الأدبية ضمن حقيبة صغيرة، تمثل كل ثرواته الزمانية. بعدها بعقدين ونصف، كان أورهان باموق يتنقل كالتائه خلال شوارع نيشان طاش الراقية، مهزوم المشاعر برواية ضخمة ظل يحملها كمخطوط طوال خمس سنوات كاملة حتى دخل عامه الثلاثين دون أن يوفق في نشره، كان يكتب آنذاك روايتين سياسيتين مختلفتين، يعيش في بلاد يمسك العسكر بمقاليد الحكم فيها، كما تشهد انقلابات عنيفة واغتيالات سياسية مع اعتقالات واسعة بين المثقفين المهددين على الدوام. كانوا يعيشون لحظات الخوف، تماماً مثل فترة ماركيز الضعيفة حين كان الديكتاتورين القادمين من الجيش يضربون عرض الحائط ببراءة الشعوب، لم يكن باموق كما لم يكن ماركيز، لم يكونا بقادرين على النشر الأدبي في بلديهما بسبب تلك الطغمة العسكرية، فيما هرب ماركيز إلى الخارج نافياً نفسه، نحو باريس أولاً إلى جوار عشرات الأدباء من أمريكا اللاتينية، ففي الخمسينيات القرن الماضي غدتْ باريس ملجأ للكُتاب الأمريكيين اللاتينيين الجائعين، بضبط كما كانت ملجأ الأمريكيين الشماليين الجائعين أيضاً خلال العشرينيات ذات القرن حتى إن الغرفة الباريسية الباردة التي أوت غارسيا ماركيز الجائع والمفلس، عادت لتأوي ماريو باراغاس يوسا الذي كان بدوره مفلساً وجائعاً، بلاده بيرو يحكمها طغاة الجيش، ثم هاجر غارسيا ماركيز إلى المكسيك حيث كتب أفضل رواياته باللغة الأسبانية التي منحته خيارات عدة فيما ظل باموق محاصراً ضمن لغته التركية التي أبقته فقط داخل تركيا، حتى وهو في الإمبراطورية الأمريكية. يؤكد التاريخ الأدبي إن الكاتب التركي حين يخاف من الطغمة الغاشمة في بلاده فلا أمل له ضمن لغته الأم في الخارج، ليس دوماً ربما الصمتْ فقط أو اللجوء إلى اللغة الإنكليزية في الشقق الأمريكية المطلة على الحدائق العامة كما فعل باموق نفسه، إنها بمثابة ملاجئ آمنة بالنسبة للأتراك.
ذات مرة لجأ غارسيا ماركيز إلى السفارة المكسيكية مطارداً من فرق الموت الكولومبية المعدة لتصفيته جسدياً، فيما عاش أورهان باموق تجربة التهديد بالقتل حين تم اتهامه بإهانة القومية التركية، فلجأ إلى تعين حراس شخصيين لحمايته، تلك الظروف التي يعمد رجب طيب أردوغان إلى إنتاجها من جديد، خلال هذه الفترة الحاسمة في التاريخ السياسي للمنطقة بداعي حماية تركيا، أورهان باموق أعلن مؤخراً خلال ديسمبر 2014 فيما هو على أعتاب إطلاق رواية جديدة بأن تركيا أصبحتْ دولة بوليسية.
العثمانيون الجدد يحكمون بأسلوب الدسائس! بقيادة أردوغان المراوغ الذي شن حملة خطابات واسعة النطاق ضد مسلسل فني يتحدث عن القرن الذي حكم سليمان القانوني نصف الأرض فيما حكم الفاتيكان النصف الآخر. تم مواجهة تلك الخطابات الحمقاء بموجة مظاهرات واسعة على رأسها الممثل الرئيسي لذلك المسلسل الذي يحمل عنواناً ملهماً وهو: القرن العظيم. إنها تركيا صاحبة القوانين الرهيبة التي لا تلغى، لكنها تراجعتْ أمام سطوة الطليان مرتين في قرن واحد، واحدة حين هربتْ من ليبيا والثانية حين ألغتْ حكم الإعدام على عبد الله أوجلان الزعيم الكردي.
نحن نعرف هذا النقص في العقلية التركية الحاكمة! لسنا نحن فحسب، وهم يعرفون ذلك! إنه يؤرقهم على نحو مزعج وملح! لكن التاريخ الذي أصبحنا نعرفه جيداً خلال هذه الفترة يقول بأن إيطاليا وتركيا أصبحتا ضمن حلف واحد، حاولتا بقدر الإمكان الاستفادة من الاقتصاد والثروات الليبية، قبل أن تشرعا للعمل معاً من أجل إسقاط معمر القذافي، عكس ما كانا يتنافسان في إظهاره حتى إن أحد رؤساء وزراء إيطاليا قام بتقبيل يد القذافي فيما قبله أردوغان بحرارة على وجنتيه الديكتاتوريتين المجعدتين.
خلال عام 2011 أعلنتْ تركيا بأنها ضد العقيد، إثر ثورة فبراير، بعد أن كانت أعلنتْ بأنها إلى جانب العقيد الدموي، ثم عرفتْ خطئها الاستراتيجي الفظيع بسرعة الحلزون النفاث، فحاولت إعادة إصلاحه بالأساليب العثمانية القديمة، وشهد العالم كيف إن الشعب الليبي أرجع إحدى السفن التركية البلهاء المحملة بالأغذية، كان الليبيون إذ ذاك في أوج مجدهم الروحي، فعلمتْ تركيا بأنها فقدتْ ليبيا للمرة الثانية خلال قرن واحد، كانتْ أسوأ خسارة تتعرض لها كما كانت أسوأ مئة سنة من البعد بالنسبة إليها فيما يخص هذه المنطقة من شمال أفريقيا. ليبيا التي حكمها معمر القذافي بعد إسقاط النظام الملكي سبتمبر 1969 حكماً ديكتاتورياً تحت غطاء ثوري استمر لاثنين وأربعين سنة كاملة. قبل تولي القذافي حكم البلاد بسنتين كان غابرييل غارسيا ماركيز مبتهجاً بصدور روايته الرمز: مئة عام من العزلة.
كان الكولومبي قد ولد عام 1928 بأراكاتاكا شمال كولومبيا، بعدها بسنة واحدة أخرى سيقوم بينيتو موسوليني بإرسال الجنرال الدموي رودلفو غريتسياني المنتصر من إقليم فزان ليقذفه في وجه عمر المختار في شرق البلاد والياً على بنغازي وما جاورها، عندها سيقوم بحملات واسعة، يقصف القرى امتداد حتى الجنوب البلاد، كما سيعمد على اختراق الجبل الأخضر مجدداً بقوة ساحقة، وبالمدافع الثقيلة، غريتسياني الجنرال سيشعل ليبيا بلهيب الثورة والجنون لأجل عظمة روما الفاشستية، سيقيم معسكرات للاعتقال لشعب بأسره، يقيم المشانق، المحاكمات، يوجه الضربات القاسية، يحرق المزروعات ويصادر الأراضي، غريتسياني سيأخذ حالة البلاد إلى أقصى توتراتها الممكنة. عامي 1929–1930 كانتا من أفظع أعوام المقاومة المسلحة الليبية، في ذلك العام حدثت أمور نفسية رهيبة كما وقعتْ هزائم روحية لا تعالج وقد شهدتْ أيضاً حروباً ومواجهات بين الشعبين الإيطالي والليبي، كان الليبيون بدؤوا يقاتلون لوحدهم، لا يدعمهم إلا مشاعر الضعفاء في العالم المحتلة بلدانهم ينظرون إلى ليبيا كما ننظر نحن إلى كل مكان خلال هذه الفترات، بيأس بالغ، في النهاية يتم القبض على عمر المختار سنة 1931 ليحكم عليه بالموت شنقاً أمام جزء كبير من شعبه الذين قاتل لأجلهم.
العالم لم ينس أؤلئك المقاتلين لأجل الحرية بداية عام 1911 حتى الثلاثينيات، أول من يتبادر إلى الذهن هو التركي العظيم مصطفى كمال أتاتورك الذي قضى نحبه خلال عام 1938 نفس عام وصول بينيتو موسوليني إلى ليبيا–الشاطئ الرابع ضمن استقبال مهيب تم تقليده خلالها سيف حامي الديار الإسلامية.
حين كتب الأديب المصري عباس محمود العقاد مقالة طويلة عن الشخصية الفريدة التي يتمتع بها أتاتورك، كان همنغواي أصدر روايته الباهرة: وداعاً للسلاح A-farewell-to-Arms الرواية عن قصة عشق مأساوية تولد في إيطاليا خلال الحرب العالمية الأولى بين لا منتمي أمريكي وانجليزية قلقة. كان بطل همنغواي قد تطوع كسائق لعربة إسعاف ضمن الجيش الإيطالي، وأصيب في ساقه خلال إحدى الهجمات بسبب قذيفة سقطتْ بالقرب منه، بقي على إثرها في المستشفى لمدة طويلة وكان قد رفض أن يعالجه طبيب عسكري برتبة الكابتن أول، فيما غرقتْ ليبيا التي تركها الإيطاليون بين يدي ملازم ثان مهووس بالعظمة، سيظل حاكماً حتى يبلغ التاسعة والستين، كان يسعى لهزيمة الشعب روحياً، كما سعى في أواخر حياته لهزيمته جسدياً، إنما الانسان –في صفحات أدب همنغواي– قد يُهزم ولا يمكن تدميره. قالها في الشيخ والبحر، التي جاء فيها أيضاً: “من هزمك أيها الشيخ؟”. فأجاب: “لا أحد لكنني توغلتُ في البحر أكثر مما ينبغي”. فهذا الكتاب الصغير المستحيل كان هو أكثر كتاب أثر في الأدب الليبي الحديث، كما أثر في أغلب الأدب العالمي، غارسيا ماركيز أحد أكثر الأدباء الذين تأثروا بالشيخ والبحر حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1982 وهي السنة ذاتها التي ظهر فيها كتاب أورهان باموق الأول: جودة بيك وأولاده فيما كان ينهي بصمت روايته الثانية: البيت الصامت.
حاز هو شخصياً خلال عام 2006 ذات الجائزة ليروي للعالم قصة والده التركي الذي ظل يكتب طوال حياته ليغدو شاعراً تركياً، إنما لم يكن يرغب في تجريب ذلك في بلد فقير القراء، بدلاً من ذلك ترك حقيبة مليئة بالأوراق، منحها لابنه قبل وفاته بعامين، لحظة مأساوية يتحدث عنها أورهان في محاضرة الجائزة. كان تبرير العالم العربي لحيازة باموق لجائزة نوبل هو إنه تحدث عن تفاصيل المجازر الأرمينية والكردية، التي قامتْ بها الحكومات التركية منذ أواخر عصر العثماني حتى السبعينيات القرن الماضي، ذكر تلك المذابح خلال لقاءاته الصحفية، مقالاته السياسية مما دعا الحكومات التركية لمعاداته رسمياً، حتى إنها دفعتْ بالمتطرفين القوميين لملاحقته، إنها معضلة يشترك فيها مثقفي كثير من بلدان المنطقة، فبعد الفتوى الرهيبة التي أصدرها الخميني ضد سلمان رشدي والطعنة التي تلقاها أديب النوبل نجيب محفوظ، وملاحقة عشرات الأدباء والمفكرين بالفتاوى والتهم الجاهزة من قبل مؤسسات لا تقل عنفاً وسطوة عن أي جيش استعماري في التاريخ، مؤسسات تنفذ العقوبات العنيفة ثم تفكر في تبرير تلك العقوبات بداعي حماية المنطقة أو حقوق الشعب أو حتى دفاعاً عن الله. هذه هي النهاية المنطقية التي وصلتْ إليها المنطقة كلها، من إيران إلى أطراف القارة الأفريقية باتجاه الأطلسي، لا تجد إلا دولاً مليئة بالحزن والجيوش القاتلة، أنظمة مستعدة للفتك بشعوبها، وهي في الحقيقية غير قادرة إلا على فتك بشعوبها أو التسلل إلى أعماق الدول المنكوبة التي تعاني الثورات لأجل خلق توترات تُشعرها بالتفوق، أو بكل بساطة تدخل في حروب متكافئة مع جيرانها التي تماثلها سطوة، الخاسر هو فقط الجندي الذي يُقتل أو تقطع أطرافه، ذات مرة تساءل الصادق النيهوم: وطن أم مصحة؟ إنها ذات الأسئلة التي دارت في عقل الإيراني علي شريعتي! ذات المشاعر التي يرددها أورهان باموق، محمد زفزاف وإبراهيم الكوني وعشرات الأدباء من ذات المنطقة، إنهم يستخدمون أوصاف مشابهة تماماً باختلاف دولهم واثنياتهم.
وهي مسألة كانت تعتبر تحدياً في بدايات الدولة الليبية الحديثة على يدي آخر السنوسيين وأول ملكوهم والوحيد على الإطلاق، إذ كانت الدولة الليبية مترامية، تعصف بها الشكوك القبلية والجهوية وهناك بنيات عسكرية كاملة مسلحة من القبائل المستعدة لخوض حروب لا تقل ضراوة عن تلك التي اشتعلتْ على الأرض الليبية قبلها بسنوات، السلاح الأمريكي، الإيطالي، الإنجليزي حتى السلاح الألماني كان يعج في البلاد، كما كانت الأفكار الضيقة والمتطرفة مع شيوخ قبائل ذوي توجهات رهيبة بعقليات راديكالية مريعة تقف خلف الأحداث الرئيسية ألا وهي العمل على تأسيس دولة ليبية آمنة، في لجان يرأس إحداها أريك آرمار فولي دي كاندول بحماس واضح لوضع بصمة في التاريخ، وهو يتحدث بإعجاب عن قدرة السنوسيين على إلغاء تلك العقليات المتعصبة بشكل طبيعي وسليم، بحيث يمكن تعين شخص من شمال ليبيا على مركز ديني شمالي التشاد ثم نقله مجدداً إلى شمال ليبيا دون أن يخلق هذا مشكلة عصبية أو عدم قبول، إنما هذا لا يعني إن السنوسية نجحتْ بالفعل في القضاء على العقلية القبلية ففي بعض مدن الشمال، وكما يمكن أن يتخيل أحد ما، لم يستمر التنوع الاجتماعي والثقافي طويلاً داخل المدن الليبية، إذ انتكستْ الحياة الاجتماعية حتى أصبح الليبيون يُشككون في وطنية البعض الآخر من الليبيين، الحكم الديكتاتوري قدم بكل سرور كل الإمكانيات للمؤرخين وشيوخ القبائل لتوضيح هذه الخصلة السيئة بأكبر طريقة ممكنة، فانتشرتْ تلك الكتابات التي بدتْ مولعة بجعل الشعب الليبي كأنه شعب خرج من بطن أم واحدة –أعني أبناء الشعب– تم رفض الاختلاف، اعتبرتْ الإثنيات المختلفة مجرد كذبة استعمارية، تم إعلان بأنهم عرب، التبو أصبحوا مهاجرين من اليمن وإنهم عرب أقحاح، الأمازيغ هم صنهاجة صاروا عرباً بأدلة لغوية تم التكريس لها من قبل مؤرخين وأساتذة جامعيين، النتيجة كانت أن الشعب كله صار مقتنعاً بأن البلاد لا تتحدث إلا بلسان واحد ولا تدين إلا بدين واحد وأي اختلاف كان الشعب مستعداً لتحطيمه تماماً بيد من حديد، مع الوقت صارتْ الدولة غارقة في أوهام تاريخية مدعومة بأدلة من عقول يتم احترامها بسبب نفوذها لدى الدولة الديكتاتورية، ليس بسبب قدراتها العقلية الفائقة في المنطق. وتلك النتيجة كانت تتضح في خسارة الدولة قبل سقوطها نهائياً بسنوات طويلة، أصبح الخوف والشك من الآخرين بمثابة تفاصيل الحياة اليومية في كل ركن من أركان البلاد، تم تتويجها أخيراً بالعنف الرهيب المصاحب للانتفاضة التي شهدتها البلاد.
القبائل التي تم إعادة شحنها بالتاريخ المزيف، والتي فقدتْ التسامح، بدأت تفكر في الوصول لحكم البلاد، بالأسلوب البربري القديم، فلم تعد هناك إمكانية تأسيس أي دولة فعلية حتى بتلك التكاليف الباهظة من الأرواح والمقدرات الاقتصادية التي أصبحتْ مطمع الجميع، القبائل تشرع حروبها الخاصة، المؤسسات بلا قيمة، الجيش صار يُمثل أولاء الدم، وما حدث ويحدث تغدو مساءلة مجهضة لفكرة إعادة الدولة. خلال الثورة المسلحة ضد نظام العقيد، اخترقت القبائل كل مؤسسات الدولة، أكثر مما كانت قادرة عليه من قبل وفي أي وقتْ. بدا إن نجاح الثورة مرتبطاً بإقناع القبائل التي تمتلك إمكانيات واسعة لإنجاح أي تحرك سياسي أو عسكري يطمح للحكم. وهي مساءلة شرعية جداً، لذا كان من الواضح بأن التغيير على الأرض كان مرتبطاً بانضمامهم إليها.
هذا ما حدثْ، انتصرت القبائل في إيصال صوت الثورة إلى العالم، على مشهد الدنيا توالتْ المظاهرات والبرقيات الانشقاق والانضمام إلى قوى الثورة، كان مشهداً مدهشاً بالفعل، ذلك النظام الذي تسلل فيها الضعف إلى أوصال حكم ديكتاتوري صمد لأربعة عقود، كان لا يزال قوياً. لا أحد يشك بأن التدخل الأممي كان حماية لتلك القبائل من الإبادة، وهو ليس بغريب على التاريخ الليبي. إنما الصورة اتخذت مظهراً آخر.
القبائل المنتصرة صارتْ تفكر بتوجيه الثورة الجديدة إلى اتجاهات أبعد مما قُدر لها، اجتمعتْ في محاولات واضحة لوضع خطط تخدم جهات تستخدم العنف ضد الإثنيات الأخرى وسرعان ما اشتعلتْ الحروب الإستباقية بدعم واضح من زعماء القبائل التي لم يجد رجال الثورة، مؤسسي الدولة المزعومة مفراً من دعمها من أجل تلك الحروب ومنحها غطاء سياسياً، من نتائج تلك الحروب ظهور هيئات سياسية مغلقة كهيئة المحاربين وتجمعات مسلحة مختلفة منها كتائب الدروع التي انتشرت عبر البلاد بشكل واضح، الدولة الثورية التي ولدتْ بفضل رجال القبائل كانت مجرد ألعوبة مقيتة، أداة ضرب بأيدي سياسيين أشبه بظلال لحلقات فارغة.
إنها ضريبة السياسة الليبية، لا بد من الخضوع لتلك القبائل، حتى هذه اللحظة ظهر نوعان من سياسي البلاد أحدهما النوع الأول انصاع تماماً لكل رغبات القبائل يمثلهم مصطفى عبد الجليل الذي يقال بأنه كان يختم القرارات المتناقضة والمضادة لكل الأطراف، وقد اشتهرتْ قصة خلال فترة تحطيم أضرحة الأولياء فقد كانت المجموعة السلفية التي حملت على عاتقها هذه المهمة، تمتلك قراراً بهدم الأضرحة مختوم من مصطفى عبد الجليل، لذا كانت ترى بأن واجبها شرعي دينياً وسياسياً، فيما كان الطرف الآخر المدافع عن الأضرحة، يمتلك بدوره ورقة مختومة من عبد الجليل بمنع هدم الأضرحة، وقد حدثت مواجهات مسلحة أمام الأضرحة وسقط بعض القتلى.
هذا بالنسبة لنوع الأول أما النوع الثاني فيمكن توضيحه في علي زيدان القادم من ألمانيا الاتحادية الذي وقف تماماً في حالة أشبه بسور برلين في وجه القبائل والجهويات، ثم اتخذ قرارات حديدية مثيرة للجدل، منعتْ القبائل من الاستفادة المباشرة من الأموال والمناصب وتلك المنافع الكبيرة التي تحصلتْ عليها بعد الثورة مباشرة ثم وصل به الأمر إلى التدخل في منطقة الهلال الخصيب التي ترى قبائل الشرق بأنها منطقة مقدسة بأدلة تاريخية تسبق ظهور النفط، وزادها البترول قداسة، وهناك أمام أعين العالم كادتْ تقع مواجهات كبرى، أدتْ في النهاية إلى سقوط علي زيدان في تناقضات الواقع اللا سياسي الليبي دفعته أخيراً للهرب بسرعة حماية لفروة رأسه، فيما قادتْ الوضع لهذا التشظي الواضح تحت ستار قبلي، مناطقي وتاريخي، مؤكدة بأن فكرة الاستفادة من الحراك القبلي الصرف، سرعتْ الأمور دوماً نحو التطرف ومن ثم فقدان السيطرة على ذاك التطرف الآخذ في النمو، بعقلية غير سياسية، إنما بفعل الأحكام المسبقة والطموحات الشخصية المناقضة للدولة التي يحلم بها السياسيون ولو جزئياً. وهو أمر تم هزيمته على كل حال، فالمؤسسات لا تجمعها عقلية سياسية واضحة، لا أحزاب ولا تنافس حقيقي لبناء البلاد، إنما الصعود المشبوه، الانتهازية والخلل الفكري، مقومات مريضة تتحكم في كل أركان الدولة، جميع المؤسسات المفترض إنها تؤسس كياناً يتم تسميته بالدولة حتى الهيئة التي تم تنصيبها وانتخابها لأجل خلق دستور يجمع الليبيين، لا يقومون بذلك بالطريقة الصحيحة، إنهم يمهدون البلاد لحروب جديدة، فيما يعتمد ذوي الأصول العربية في اللجنة الدستورية على أيديهم وأذرعهم يُطلب من الإثنيات المختلفة –التي يتم تسميتها بالأقليات، ليس لجلب حقوقها إنما لتأكيد الكرم الذي يتم منحه إياهم بمجرد الاستماع إليهم– يُطلب منهم الاعتماد على أصواتهم غير المسموعة، في حالة عدم سماع تلك الأصوات فإن النتيجة ستكون بلا شك سماعاً إجبارياً لأصوات الرصاص لأجل الحقوق ولهذا قامتْ الثورات من أساسها الأول. لم تعد الشعوب تكتب تواريخها بالأغاني كما كتب النيهوم الطالب، إنما صارتْ تكتب التاريخ بالدماء بحسب العادة القديمة ذاتها!
لسنوات بسيطة قالتْ البلاد مثلما قال همنغواي قبل قرابة القرن من الزمان: وداعاً للسلاح، لكنها مع الوقت عادتْ بقوة إلى حمل السلاح ضد الدول المجاورة، بقيادة عسكرية تزداد تعنتاً، كانت استحوذتْ على البلاد بعد أن أقصتْ الحكم الملكي السنوسي وقررتْ مناهج مدرسية غاضبة، تدعو إلى القومية بشكل عصبي مقيت، خلال سنوات قليلة، صارت ليبيا من دولة متعددة الثقافات إلى دولة بلا ثقافات حقيقية إنما رؤى تنبؤية معروضة في ثلاثة كتيبات صغيرة بشروح ضخمة، وصارت الحياة تمهيداً فعلياً للعود بالبلاد إلى حكم القبلي الصرف، بعد أن كانت حكماً صوفياً منسوباً لطريقة دينية، صارتْ منهجاً قبلياً بعقلية الشعر البدوي المتمرد والخشن والمليء بالتلميحات وسوء الطوية، كل شيء في الدولة تحول إلى مجرد ظل شعري فادح الخشونة والحدة. وهو فعل غريب حقاً، مساءلة لا يمكن فهمها بسهولة، فالملك القادم بعقلية ولدتْ من القبلية يصنع دولة تعتمد على المؤسسات، فيما القذافي القادم من مؤسسة مثل الجيش يعيد الدولة إلى الفكر القبلي، يرسم لنفسه تسمية قبلية، يضع منهجاً متخبطاً مزيج من الاشتراكية والقبلية والعصبية العرقية التي سماها بجراءة تصل حدود الوقاحة بالقومية.
في احدى مقالات الثمانينات ضمن الناقد نشر الصادق النيهوم تحذيرات لم يقرأها أحد من المثقفين أو العسكر فيها ملاحظات رهيبة عن الخطر الذي تجلبه الأفكار القومية من تخلخل في النسيج الاجتماعي للبلدان، إنها تُبشر بالتفكك بحسب القوميات، لأن كل قومية، ستعمل على التكريس سياساتها لقوميتها فقط، مما يفتح المنطقة أمام تيارات لا شك ستعصف بالاستقرار أكثر مما هو مدمر، تلك التوقعات الصادقة تحققتْ في أقل من نصف قرن، نحن نعيش الآن واقعاً مهدماً، من دول بلا مرجعيات حقيقية، تسعى لتكوين تجمعات عسكرية لضرب تجمعات أخرى ساهمتْ في تأسيسها. في مصر تم إبادة الأخوان المسلمين سياسياً، على الحدود السعودية حشود تجمعتْ لضرب الحوثيين وأشباح نظام الإمامة وبقايا حكم ديكتاتوري سابق، كانت الحكومات السعودية والمصرية ساهمتْ في ظهورها قبلها بسنوات. حتماً ثمة ارتباط وثيق بين الدول، بطريقة ما هذا الارتباط هو ما يسبب التوترات الكبيرة، وكذلك هذا الارتباط نفسه هو السبب في شقاء بعض الشعوب التي يمارس عليها تفسيرات تم استنتاجها من واقع دولة مجاورة، وهو الارتباط الذي يدفع المفكرين والمثقفين من الشعوب إلى تبني واقع شعوب أخرى، فالمثقف الليبي يضع خطط مثقف مصري في برنامجه كأنها خطط تم نحتها لليبيين خصوصاً، في حين يرى بأن خطط شخص ليبي من أثنية مختلفة بأنها لا تمت للبلاد بصلة، هذا التفكير يعيق كثيراً توحد الدول من الداخل، ويسبب تسرب الأفكار من وراء الحدود إلى مجتمع يعاني تفككاً واضحاً، حتى تلك الأفكار الجيدة تغدو كأنها فتات يتم إلقائه من مرتفع شاهق لا يمكن تقبلها، لا يمكن التطلع إليها، بل سيعمل أفراد التجمعات المغايرة البحث عن نقيض تلك الأفكار، أي فكر مضاد للحفاظ على الهوية، الأفكار الخاصة وأسلوب حياتها، لذا نشهد بأن الانقسامات الداخلية يتم السيطرة عليها بتحالفات خارجية، فالتحالف العربي الأخير هو خير مثال، إنها موجهة ضد الأفكار المخالفة في وسط الدول التي تتحكم بشكل أحادي على الحكم السياسي، وتضطهد الملايين من أفراد شعوبها، إنه تحالف لا أخلاقي بشكل واضح، ولا يمكن إلا الشعور معه بالأسف، لأن كل أثنية مختلفة، كل تجمع مختلف أصبح معرضاً لضربات العسكرية والإبادة الجماعية وهو ما فعلته القبائل الليبية بكل سرور في مناسبات كثيرة طوال القرون الثلاثة المنصرمة، وهو ما واصل القوميون العسكر في فعله، وهو ما يُحرك التجمعات الدينية أو الجيوش المظلمة في أغلب الدول التي لم تعد دولاً.
في السابق يمكن ملاحظة الحماس في مقالات شخص مثل عباس محمود العقاد الذي كان يهتم بالأفكار المتعلقة ببنية الدول الحديثة، هو يرى بأن أشخاصاً من أعراق مهجنة أكثر قدرة على التحكم بالدول الجديدة والحفاظ على استقلالها من ذوي الدم النقي المزعوم، ثم ضرب مثاله بمصطفى كمال أتاتورك الذي لم يتوانى على التحالف مع الأتراك الأصلين بالأناضول فيما هو هجين من دماء الأوروبية والتركية كما إنه التجأ إلى صيت رجال الدين في كل مكان حتى جمع جيشاً للحفاظ على استقلال تركيا ثم قام بتحطيم الصنم العثماني بضربة واحدة وإلى الأبد، العقاد معجب بقوة ذوي الدماء الهجينة، وهو فكر وإعجاب لا يشاركه فيهما الكثير من مثقفي بلداننا التي غرقتْ خلال حياة العقاد ضمن موجات قومية أفضتْ إلى إنتاج ديكتاتوريات صغيرة على طول الخريطة لا تهتم مطلقاً لمعاني العميقة في التنوع الاجتماعي بقدر اهتمامها بعدم تعقيد ساحة الحكم لديهم، بسبب قصور قوانينهم، استعجالهم على إبراز قوتهم القاهرة كظلال الرب على الأرض، كنا نمتلك حكاماً بأسماء ملك الملوك، أو آخرين يتلقون المبايعات عن طريق الدمى الورقية، أو ثالث يصل للحكم بوثيقة فرعونية تذكر اسمه الأزلي في خضم مشاكلهم وجنونهم الوجودي لا تعود قيمة التنوع مهمة، بوسعهم التضحية بنصف الشعب لأجل إشباع طموحهم الشخصي. البيت لم يعد صامتاً، الشعوب نفسها حين تدخل مضمار السياسة كمجموعات قبلية، فإنها تقود الواقع السياسي إلى عسكرة رهيبة يجد فيها الديكتاتوريين ملاذهم الروحي الأكثر قيمة، حدث هذا في بلادنا ليبيا، حدث في مصر، حدث في قرابة عشرين دولة همجية في الشرق الأوسط، بوسع كل مجموعة عرقية مستعدة لتحطيم المجموعة الأخرى التي تراها منافسة، في العراق قام الجيش القومي بتصفية الأكراد بمجموعات كبيرة، جففتْ مناطق كاملة من المياه استمراراً لمعركتها ضدهم، في ليبيا تم إقصاء أغلب المجمعات العرقية، دمرتْ لغاتهم الأصلية وارتباطهم بها، سحبتْ منهم الجنسية الليبية كأنهم عار عليها، قادتهم إلى معارك ضد بني جلدتهم، جعلتهم ينظرون إلى أنفسهم جهات غير حقيقية الوجود بسبب التاريخ المزيف، كل هذا بسبب اعتماد الحكام الديكتاتوريين على قوة المجموعات الأخرى، العنصرية، الإقصاء، الظلم، الثنائيات، كلها مجرد كلمات لا تعبر حقيقة عن الواقع المؤلم المتحقق وكذلك الواقع الرهيب الذي هو على وشك التحقق، حين قامتْ الثورة في ليبيا مثلاً كانت هناك فرصة لتخلص من الإرث المريع، إنما الواقع السياسي صار أشد تعقيداً، التناقضات التي خلقتها الحكومات الديكتاتورية بمختلف خلفيتها، ما تزال تداعب خيالات تلك القبائل أو التجمعات التي غدتْ بمثابة بؤر للجيوش المظلمة، وهي في ازدياد، والتحالفات العسكرية العربية لن تزيدها إلا توسعاً، ربما لن يفهم أحد طبيعة المعضلة، لأنهم ينظرون إليها من ناحية التاريخية فقط، كأن الحكومات الديكتاتورية التي تحكم المنطقة بالمنطق الديني والعسكري، طرفي الساحة الدقيقة التي تجد الشعوب نفسها في خضمهما، دون خيارات حقيقية، هذا الواقع هو الذي أنتج تشي جيفارا ذات مرة، إنه ذات الواقع الذي خلق الثورات في الدول الأوروبية، عاشوا تناقضاتها على مدى عقود طويلة خلال القرن العشرين، بعض الدول الأوروبية لا تزال تعاني تبعات هذا الواقع المقيت، لكننا هنا نُرجع المساءلة إلى أكثر من ألف وأربعمائة سنة كاملة، لكي نتجنب قول الحقيقة بأن الحكومات العربية، الملكيات الصغيرة التي تتحكم بها القبائل والأهواء الشعبية، هي سبب وجود هذه الجيوش المعتمة.
التغير الثوري المزعوم لم ينجح في تخليص الدولة من التدخلات القبلية، بل ساهمت في تعزيز قدرة القبائل في التحكم بالمؤسسات الدولة، هذا من شأنه تعزيز قدرة الجماعات المعتمة على التسلل الأجهزة الأمنية، لأجل استخدمها في زعزعة بعض المناطق داخل الدولة الواحدة، فما بالك بالدول المجاورة التي أخذتْ تعلن صراحة خوفها من بعض الأسماء التي فرضتْ نفسها سواء امنياً أو سياسياً في الدول المجاورة لها، وخير مثال على ذلك هو عبد الحكيم بالحاج الذي يبدو أن كل مواطن تونسي الدولة المجاورة لنا مقتنع بأنه وراء أغلب المعضلات الأمنية في تونس، وكذلك الأمر مع مصر، كأن تلك الدول العتيدة تخلصتْ من التناقض الاجتماعي في مساحتها الأرضية، وهو ما أشكك فيه دون أن أنزه أي شخص ليبي عن التهم الموجهة إليه، فتلك التهم يقترفها البعض داخل دولته بالذات، وهي مساءلة لم تتجاوزها حتى أكبر سادس دولة إسلامية، عضو الحلف الأطلسي، الجمهورية التركية التي تعاني بشدة من عدم قدرتها على فصل الطابع العرقي عن دولتها، الطابع العرقي المدمر الذي يدفع الأكراد إلى تذكر دوماً بأنهم أكراد وليسوا أتراكاً، وهو طابع الدول القومية الأخرى أو تلك التي اختارت المذاهب الدينية كموجه للحكم السياسي فيها، فإنها تصنع مجاناً عدوات ضد ذوي المذاهب المخالفة لمذاهب دولهم، هذه الدول المزدحمة في الشرق الأوسط، عدا نماذج يمكن تعدادها بأصبعين من اليد الواحدة، ليس بسبب تفوق قدرتها العقلية عن الباقي إنما بسبب الطبيعية الاقتصادية لبلدانهم التي طغتْ بسطوة قاهرة على حاجتهم لسن دولة الإقطاعية التي يطمحون إليها. عندنا في ليبيا مؤخراً حروب ذات طبيعية عرقية، اختصرتْ المعارك في كل بقعة على العرق المخالف–تقريباً. فالكول أغولية يحاربون القبائل العربية، فيما انضمتْ إليهم القبائل غير العربية من الأمازيغ، الطوارق، لأنها ترى بأن المشاريع أو المبادئ التي بُنيتْ عليها المعارك هي في عمقها موجهة ضدها، وهي ليست بالمطلق، اعني التقسيمات العرقية!
مسألة متعلقة بالحكومات العربية نفسها، صاحبة الطموح الكبير فيما يتعلق بالحدود التي تخص الدول الأخرى، فالعراق اقتحمتْ الكويت، سوريا اتجهت لاحتلال الأردن ذات مرة ثم قضت عقوداً في لبنان، ليبيا حاولت ضم التشاد، هناك خلافات بين المغرب والجزائر، كما إن مصر سيطرتْ على العربية سوريا لفترة طويلة، كذلك تدخلتْ في اليمن السعيد، خلفتْ هناك أضراراً لا تزال الدولة اليمنية تعاني منها، إثر إسقاط نظام الإمامة وإدخال البلاد في حروب أهلية متسعة، ثم حاولتْ مراراً اقتطاع أراضي من ليبيا بشهادة كبار سياسي العالم وهو ما أعلنه صراحة أريك آرمار فولي دي كاندول في كتابه عن الحياة الملك السنوسي، حاول المصريون خلال فترة ما قبل الاتفاق على استقلال ليبيا أن تأخذ على عاتقها الوصاية على ليبيا، في حالة تعذر التوفيق بين ولايتي برقة وطرابلس الغرب، ثم طالبتْ بضم إقليم برقة إلى مصر ودمجها بها مما سبب توتر بالغ الأثر بين سياسي البلاد والمصريين، الذين استغلوا نفوذهم القومي في محاولات لزعزعة الأمن في ليبيا، حتى إن تلك الجماعات التابعة لمصر في بنغازي هاجمتْ منزل أريك آرمار فولي دي كاندول في محاولة سيئة الإتقان لتحريك مشاعر الجماهير ضد قراراته الإدارية، وقد فعلتْ مصر ذلك دون الرجوع إلى السيد الأمير إدريس السنوسي، الزعيم المفترض للبلاد منذ أكثر من ربع قرن، كان ذلك في الفترة الملكية المصرية، ثم خلال فترة حكم جمال عبد الناصر، حين طالب الملك اقتراض مليون جنيه من مصر الشقيقة طالب جمال عبد الناصر تنازل الملك عن منطقة الجغبوب التي تمثل المقدس الروحي للحركة السنوسي، إذ تضم قبر مؤسس السنوسية وجد الملك، طالب جمال أن يتنازل الملك عنها لصالح مصر في اهانة لا تغتفر –ذكر هذه الحادثة إبراهيم الكوني ضمن مذكراته التي صدرتْ مؤخراً– إنما الملك الليبي تناسى المساءلة والسنوات التي أعقبتْ ذلك عدة تدخلات صريحة للشؤون الليبية من قبل الحكومات المصرية، حتى إن احد أفراد بعثاتها الدبلوماسية حاول تثوير الطلاب ضد الحكم الملكي، حتى معمر القذافي الذي أسقط الملك ثم تلقى دعماً مصرياً، دخل في موجهات عسكرية مع مصر بسبب الحدود، إنها أحداث وقعتْ قريباً جداً من عصرنا، لا يزال صناعها أحياء، لا يزال يسمع الليبيون تصريحات من أشخاص مثل محمد حسنين هيكل –عن إشكاليات تزيد من قلق أي متابع– بأن هناك أراضي محسوبة لليبيين وهي من حق مصر، دائماً الحديث يتم عن منطقة برقة الغارقة مؤخراً في موجهات أنستْ الكثيرين الخطر الوشيك.
الصداقات مسألة تغدو مضحكة أمام الطموح السياسي! ذات مرة سدد ماريو باراغاس يوسا الأديب البيروفي لكمة قوية إلى وجه الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، بعد خلاف سياسي، كان الجميع يُدركون ذلك عمق الخلاف بين الأديبين، الاختلاف في الرأي حول زعماء الحكومات، حول الحرية الرأي والتعبير، احتجاز بعض الشعراء في كولومبيا بشكل تعسفي، الخلاف بين بيرو وكولومبيا، بيرو التي انتهكت السيادة الكولومبية مراراً من أجل السيطرة على غابات المطاط، ولا يزال الوضع الرهيب قائماً، وقد مات غارسيا ماركيز دون أن ينجح احد في إنهاء خلافهما، أكبرهما ولد عام 1928 والثاني بعده بتسع سنوات وكلاهما ولدا قبل أن تستقل مصر وليبيا معاً، فهل يمكن لليبيا أن تنسى الطموح المصري بهذه السرعة! كما إننا ننسى بأن فشل هذه الدول في تقديم إستراتجية جيدة للتعامل مع هذه التناقضات، وعدم قدرتها على كبح طموحاتها، تشكل احدى الأسباب الرئيسية لظهور هذا الجماعات اللامعة. ربما، قريباً سيكون رائجاً تكوين مثل هذه الجماعات لأجل نيل الحقوق.
في بيرو كانت الجماعات المسلحة للحكومات تلاقي الرواج فعلاً، كذلك في كولومبيا، غارسيا ماركيز الذي تلقى جائزة نوبل فيما بعد، كان احد المتعاطفين مع العصابات المسلحة، كما كانت العصابات تكن له الاحترام البالغ، ذات مشاعر الاحترام كان يجدها الكاتب البيروفي ماريو باراغاس يوسا، وقد كتب كثيراً من أفكاره حيال العصابات المسلحة في روايته: شيطنات الطفلة الخبيثة. كان متعاطفاً بشدة مع تلك العصابات وقد عقب الأديب التركي على هذه النقطة الإنسانية للعصابات على الأقل أكثر من الحكومات الحالية التي لا تهتم للشعوب أكثر مما تفعل العصابات المسلحة، فأي حكم أخلاقي تعتمده الشعوب لمعرفة الأسوأ بالنسبة إليها، هناك مثل يتحدث عن شخص استجار بالنار من التربة الساخنة.
إنها مسألة خيارات المتاحة، وقد تفهم الأدباء الثلاثة المساءلة على هذا النحو، كلا منهم جاء من دولة عاشتْ تجارب الحروب الأهلية والأحكام المسبقة، شاهدوا نتيجة ذلك على أمزجة الشعب، ثم أبدوا أراء استحقوا عليها ثلاثتهم جائزة نوبل للآداب كما أنهم يمتلكون قاعدة كبيرة من القراء الجيدين حول العالم: غارسيا ماركيز، ماريو يوسا وأورهان باموق، كما يقرأ لهم كبار النقاد ومكوني الرأي العام في أكثر من خمسين دولة، لا يمكن تفنيد آرائهم دون أخذها بعين الاعتبار، بالرغم من إن السياسات الجديدة في العالم، خلقتْ نوعاً من اللا مبالاة في كل شيء وبالأخص في التحركات السياسية، حتى ليبدو للوهلة الأولى بأن المشاريع السياسية الكبرى، غدتْ مجرد تحركات مصاحبة للملوك والزعماء ذوي النظرات الضيقة والبعيدة عن الأخلاقيات الفعلية بالرغم من إنها تنمو كل يوم وتزداد قوة، مستمدة قوتها من تسميات أخلاقية مزعومة. لم تعد المعركة والهزيمة هي أساسيات الحياة، إنما فكرة اللا مبالاة التي أخذتْ تشمل الحياة ببطء، الاكتفاء الذاتي، السيطرة على مصادر الأموال، تمحور العالم حول اتجاه معين دون الأخذ بالاعتبار الاتجاهات الأخرى، أي أن تقف مع الجانب القادر على أن يُقدم لك القدرة الكاملة في العيش السعيد، لم تعد المبادئ هي ما تحدد قيمة الأفكار، إنما ما يمكن لتلك الأفكار أن تمنحه من العيش السعيد، تفكير مقيت سمم بناء الدولة عقب سقوط الديكتاتور، حين شرع ذوي الأفق المحدود وأصحاب المصالح الشخصية بالتكاثف في الممرات الحكومية، مدعومين بصيت القبلي لكل منهم، بحيث لم تكن الدولة قادرة على إرجاعهم إلى بيوتهم، لأن هذا يعني خسارة قطاع كبير من مؤيدي الثورة الوليدة، كانت الثورة تعتمد كلياً على أبناء القبائل، وهو ما ساهم في وقوعها مباشرة في التناقضات والأخطاء وسبب لها فقدان الشخصية في عمق المشكلات السياسية والعسكرية التي عصفتْ بالدولة عقب المرحلة الأولى من الثورة–17 فبراير حتى وصل فيها الناس سريعاً إلى مرحلة إعلان كراهيتهم البالغة لكل ما حدث من تغيير، ولا يمكن لأحد أن يلوم أحداً على إعلان آرائه بكل حرية، والتي هي بالمناسبة صفة اكتسبها الشعب مباشرة عقب الثورة، ففي الفترة الديكتاتورية لم يكن أحداً قادراً على إبداء آرائه في أي شيء، ليس لأن النتيجة ستكون وخيمة من السجون المعتمة وخسارة المجتمع، إنما بسبب عدم وجود آراء وهيئات مختلفة، خلال هذه الفترة بالرغم من الاغتيالات السياسية بسبب الآراء، لا نكف عن إبداء آراءنا لأن هناك شيء أساسي تغير في المجتمع، فالموت بسبب الرأي لم يعد يراه الشعب إهداراً للوقت أو عدم جدوى، إنما هناك فكر راسخ باحترام الذات التي قتلتْ في سبيل الحقيقية، فالشهداء الرأي أصبحوا أيقونات ولم تضع كلماتهم هباء، إنما رسختْ بقوة في أذهان الناس. لا أدعو إلى فكرة مرضية للانتحار لأجل القضايا الكبرى، لكن الحقيقة لا يخسر من يُقتل لأجلها، أليس هذا ما تحدثت عنه جميع الأديان والمبادئ الرفيعة، ألم تُخلق الشعوب الكبرى نتيجة هذه القرارات التي تكررتْ في تاريخ البشرية بشكل متساوي، وهو مكسب رفيع، اكتسبه الشعب الليبي بعد الثورة، منذ المرة الأولى، بقي أن نقول بتحفظ: للأبد.

 

تمت

عدد كلمات: 5409

 

Advertisements

الملثم – قصة قصيرة

نهاية عام 1915

أنا أجوب الصحاري منذ عقود. قبل سنوات تورطت في عمل ضد بعض التجار، قتلت منهم رجلاً ثم صرت مطارداً بوحشية من بعض جامعي الجوائز. لذا ترونني ملثماً على الدوام، حتى إنني لا أعرف عدد من هاجمتهم خلال سبع سنوات المنصرمة، لثامي يحفظ لي حياتي.لكي تعرفوني حقيقة عليكم أن تنادوني بالملثم. سأحكي عن حادثة وقعت بعد الهجوم الفرنسي على تبستي بأيام قليلة. كنت قد انتهيت لتوي من جولة طويلة عبر الصحراء حتى تجرهي، قابلت هناك مسناً اخبرني عن التجمعات سرية لبعض المُطاردين. أخبرني بأنهم عند حوض الجماجم. قبل سنوات كنت مررتُ بحوض الجماجم، كان البعض يؤكد بأنها اختفت الآن لكنني أعرف بضبط مكانه وأحفظه عن ظهر قلب. منذ كنت في التاسعة صارت هذه الصحراء قطعة من كفي. ركبتُ بعيري وانطلقتُ لوحدي. شهرين مضيا حين وصلتُ في احدى الليالي المقمرة لمنطقة حوض الجماجم، تهت مدة لا بأس بها. كنت أقضى أياماً لا اشرب خلالها إلا قطرات، جسدي صار جلداً مدبوغاً، أخذت أتطلع الخلاء الجليل. كان الألق القمري، يمنح لرمال الصحراء كبرياء مذهلاً، حبات مشتعلة عبر الأفق، نزلت وفردت خيمتي الصغيرة، وضعت بسرعة شاي الأخضر على النار، ثم أخذتُ أتصفح السماء، بهدوء الحكماء، منذ بلغت الخامسة والأربعين، بدأتُ أشعر بأنني أفكر كالحكماء، لن يكون لي فرصة لكي أكون حكيماً، لن أجد فرصة لقيادة الرجال، سأموت لوحدي على الأرجح، لكن هذا لا يمنعني من التفكير كل ليلة. متخيلاً مئات الجنود. ثم رأيت من بعيد شبحاً يقترب، ظننتني نمت. فركت عيني ثم حدقت مرة أخرى، فوجدت بأنها فتاة في الثامنة عشرة. كانت ملطخة بالدماء، قمت من مكاني وأنا أسحب سلاحي العثماني ببطء، لكي أحشوه، محدقاً في الظلمة خلفها، كان الألق القمري قد أخذ بالغروب وراء غيمة ربما. نظرت للسماء فوجدتها بلا نجوم.
“من أنتِ؟”.
“مسكينة”. قالت بالهوسا. قلت وأنا أحاول إطفاء النار التي أشعلتها، قبل أن تخمد النار رأيتُ التماعات ألسنة اللهب على وجهها المرتعب. انهارت بالقرب مني وأخذتْ تنتفض، كالأفعى.
“ماذا حدث؟”. سألت بلغتي الهوسا المحطمة.
“قتلوهم”. أجابتْ
“من”.
“جميعهم”.
“أين؟”. أشارت ناحية الظلام وعرفت لا بد بأنها مجموعة من قطاع الطرق. قدمتُ لها الماء، وهي مرتبكة، أخذتْ تشرب فيما بدأت النجوم بالإشراق، ظهر القمر من وراء الغيوم العابرة، رأيتُ وجهها المغسول بالفيض والماء، كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها فتاة بجمالها منذ عقد كامل. قضيته في تتبع التحركات في الصحراء، شعرت بشيء ما ثقيل يذوب عن روحي، تعجبت من الأمر، جسدي انتفض بحزن مصدره بعيد. فيما تمددتْ هي على الرمال منهكة، أخذت تبكي بحرقة بالغة. ظللت أراقبها وهي تنتفض من البكاء، قبل أن تستغرق في النوم أو تغيب فاقدة الوعي. عندها قمت وأخذت دورة حول المكان، دائماً وأنا أسرع كيلا أفقدها للحظة، وجدتُ بأننا في أمان. عدت إليها وبدأت بشرب الشاي البارد مستشعراً الخطر القريب. لكنها بدت لي جميلة بشكل لا يوصف.

***

في الصباح التالي. حين استيقظت لم أجدها. كان الوقت مبكراً جداً، الصحراء خالية لا تزال تغتسل بماء الليل الأسود، على مبعدة كانت بضعة نجمات منهكة تستعد للرحيل، جلست في مكاني، كنت قضيت أغلب الليل مستيقظاً، لم أنم، قبلا، هكذا بسرعة، سحبت الماء، شربت قطرات، حين استعدت ما حدث وعرفت بأن الفتاة ليست بالقرب مني. استغربت للأمر، ظننت بأنها ربما ذهبت لقضاء حاجتها، لكن الخلاء لا يظهر أية كثبان أو أجمات أو حتى انخفاضات تختبئ خلفها، قمت بحذر متتبعاً أثار قدميها، فور أن رتبت من وضعي، وشددتُ حمولتي على المهري. بعد مسير ساعة رأيتها من بعيد وقد غرقت في بحر السراب، أسرعت ناحيتها، حتى حاذيتها، كانت تسير كالمجنونة، وقد ألقت وشاحها الأزرق في مكان ما، وانسدل شعرها المجعد على كتفيها، بدت كأنها مفجوعة من أمر ما، لكنها احتفظتْ بجمال مؤلم.
“أنتِ ما بك؟ إلى أين تذهبين؟”.
“أتركني”. قالت دون أن تكلف نفسها عناء النظر، نزلتُ من على المهري واقتربت منها، مشيت معها للحظات، بدأت اسألها عن وجهتها، لكنها لا تجيبني، دفعني الأمر لأن أمسكها من ذراعها بغتة لأسألها بصوت غاضب عما يجري لها. عندها نظرتْ في وجهي بسكون شارد، انسابت دموعها على وجنتيها: “أنت لا تعرف”. قالت ثم التفتت ناحية الخلاء: “لا تعرف”.
“أعرف ماذا؟”.
“سيأتون، أنت لا تعرف بأنهم سيأتون”. عندها عرفت بأن هناك من يطاردها، غريب أن تبتعد عنهم بهذا الشكل.
“لا تخافي لن يصلوا إليك”. قلت لها مهدئاً من خوفها. عندها ولاستغرابي ضحكت بصوت عالي: “الأفضل لك أن تتركني، الأفضل لك أن تهرب”.
حين قالت هذا عرفت بأنها فقدت عقلها لهول ما عاشته، لذا أمسكتها بقوة، جعلتها تجلس ومنحتها عدة تمرات، وشربة ماء، ثم تكلمتُ معها بهدوء: “اسمعي، أنا لا أعرف ما حدث لكِ، ظهرت في الصحراء كجنية، قافلتك قتلت، هاجمتكم مجموعة من قطاع الطرق، لا بد بأنه أمر صعب بالنسبة لكِ، أقدر هذا، لكن أن تذهبي في الصحراء هكذا أمر لا ولن أقبل به، أنت أمانة في عنقي الآن”.
ضحكتْ مرة أخرى، ظننت بأن لغتي السيئة هي ما يضحكها، لذا حاولت أن أشرح الأمر حين وضعت أصبعها الرقيق على فمي: “إنهم وحوش”. قالت بهمس مرتعب: “وحوش، أتفهم، إنهم وحوش”.
عندها قمت من مكاني وأخذت أتطلع للخلاء الفسيح، الشمس أخذت تسطع بغضب متصاعد، الرمال فاقت مرحلة اللامعان وبدأت تتحول بدورها لنوع من الشموس الدقيقة، المخلوقات الأزلية تغزو المكان، تذكرتُ حكايات الجدات عن لحظات الموت الرهيبة، شيء ما ذكرني بصوت جدتي، عينيها المغموستين بالدموع والشوق، بشرة وجهها المتجعدة، لتبدو حكيمة ومفعمة بالإيمان.
تحركت في المكان في حركة دائرية تعودتُ عليها للتفكير، ثم اقتربتُ منها مرة أخرى، طلبت منها أن تركب المهري، فامتثلتْ لأمري، لا أعرف لم شعرتُ بالغبطة، كأني سيد عائلة، كأن هناك شخص أهتم به، شعرت بالمعنى المجهول يتسلل في قلبي، لأول مرة منذ عقود. حين حاولت أن أعود بها، صرخت وبدأت تتحدث بسرعة بالغة لم أستطع معها استيعاب ثلاثة أرباع ما قالت – لكنها أخذت تردد قصة الوحوش والخوف من قطاع الطرق. تجاهلتها ومضيت في اتجاه مغاير ما لبثت أن عدت في دورة كبيرة هذه المرة نفس الطريق، بعد مسير طويل عرفت بأنها نائمة فوق. أخرجت تبغي وأشعلت الغليون، بدأت بالتدخين.

***

قبل سنوات، ربما عشر سنوات تورطنا في معركة ضد الأجانب، في تلك الفترة كانوا يأتون من الجزائر، بعد أن استحوذوا عليها، بعض التجار يتحدثون عن فظائع، قتل واغتصابات جماعية.
كنا مجموعة من خمسة رجال. وضعنا نصب أعيننا الترصد للقوافل التابعة للفرنسيس. سرنا طوال ثلاثة أيام بلياليها في حلقات تتسع وتتقلص. بحثنا بهدوء حتى رأينا ذات مرة مجموعة تسير بشكل مكشوف. استدرنا وتوزعنا بحسب تخطيطات مسبقة، اعتدنا عليها ثم هاجمناهم. في البدء فرقناهم، دفعنا البعض من قوتهم لتنفصل عن القوة الأساسية. كانوا قرابة عشرين رجل مسلح من السينغال.
عدة ساعات كنا قد أبدناهم تماماً وقبضنا على قادتهم، فاتضحوا بأنهم فرنسيس، قال أحدهم بأنهم هنا لأجل الرب. فقال قائدنا: “نحن هنا لأجلكم”. قام بذبحهم كالخراف، القائد كان عضواً في المجلس الحربي لمملكة بورنو، جميعنا نعرف ما هو قادر على فعله.
إنه وحش بشري.
جمعنا أسلحتهم، عجلنا بالعودة في نفس أسلوبنا، كي لا نكون صيداً سهلاً لأية عصابة أخرى، قائدنا كان يضع خططاً مذهلة. كنا قد سمعنا بأنه سليل ألي أليماي، مطاردة الشياطين مهمته الأولى والأخيرة. سمعنا على مر سنين حكايته البطولية أعني أليماي. جدي لم يكن يهوى السرد، جدتي هي من تحكي لنا. يظل صامتاً، يشعل غليونه، نار تبغه يشعل وجهه بحمرة متوهجة، في ظلمة الليل والسكون. للحظات وقعت فريسة للذكريات ونحن نعود إلى مقرنا، الغير الدائم، كنا هائمين، حتى اقتراح قائدنا مقراً، نأوي إليه. بتنا ثلاث ليالي، حكينا عن طموحتنا، شربنا حتى الثمل، ثم حكينا أكثر غارقين في سخريات تزداد مع اللحظات، كل شيء كان مدعاة للسخرية والضحك: “الحياة نكتة كبيرة”. قال أحدنا، كان قصيراً من قبيلة معروفة بعشقها للنساء، يقال بأنه لا شيخ بينهم.
“كلها نكتة، تعيش فقط لكي تموت، أليست هذه نكتة؟ أنظروا معي، ببساطة نحن نصارع بجدية أمراً لا يمكن مصارعته، أنظروا من فوق للإنسان الذي يحارب كالمجنون حتى لا يموت، يتفادى ضربات السيوف، يتخطى الطرقات الخطرة، يقفز من فوق المنحدرات الخطرة بهدوء وحذر رغبة في السلامة، هو لا يدري بأنه سيموت في نهاية الطريق، موته ليس في السيف أو الطريق بل هو في مكان آخر أمامه، ربما داخله، تخيلوا تلك النقطة الصغيرة وهي تركض متفادية المخاطر ثم تقع ميتة، تبدو لي الأمور مضحكة، كم هو مؤسف الموت بطريقة مضحكة، جدي مات برفسة من رجل حماره”.
ضج الجميع بضحكة مدوية، رأيتُ في عيني القصير الحقد يلمع كلسان اللهب.
“الموت أمر بالغ الترويع، مهما بدا مضحكاً للأحياء”. قلتُ. فكفوا عن الضحك لوهلة، قال على إثرها القصير: “لكنني أقاوم تلك الرغبة في الضحك كلما تذكرتُ ميتة جدي”. انزلقتْ قطرة عرق بمثابة دمعة على خده، كانت مشتعلة بالنار، ملتمعة بصفاء مشرق.
“نحن نتحول لقساة، الصحراء لم تعلمنا القسوة، بل علمتنا أن نشعر بوطأة الأمور السيئة على البشر، نعرف معنى أن يموت الإنسان عطشاً، لذا نحن نهرع لإغاثة العطشى بكل ما عندنا من قوة، نحن لسنا قساة”.
نفض القائد نفسه قليلاً، ثم قال بصوته الحاسم: “الموت أمر لا يد لنا فيه، ما بوسعنا التحكم به هي حيوات الآخرين لطالما نحن أحياء، لذا ركزوا في نجاتنا”.
كان السكون هو كل شيء. حشوتُ غليوني، تطلعتُ للفتاة النائمة، بشرتها كانت تحوي بهجة، شعرتُ بها في داخلي، لطالما أحسست بوجودها، أشعلتُ غليوني، نفثتُ الدخان في الهواء، فأحسستُ بصدري يضطرب بدفقات غريبة، تنشقتُ الهواء بعمق. قمتُ سرت قليلاً، دائماً في دائرة، دون أن أبتعد عنها، جلستُ هناك، وضعتُ جبيني على الرمال الباردة، ثم أطلقت مشاعري للرياح، حتى أفرغتُ صدري.
تذكرتُ تلك اللحظة الغريبة، حين استيقظنا على صوت تحرك مريب، قائدنا كان مستيقظاً وهو يحشو سلاحه. مرتكزاً على ركبته: “لا تصدر صوتاً، معنا رفقة”. هدأتُ قليلاً، تحركت بهدوء، أيقظتُ بقية الرفاق.
“أتظنهم الفرنسيس؟”.
“لا أعرف، لكنهم ملاعين”. قبل سنوات قليلة، تمت إبادة الجيش الفرنسي في الصحراء، من وقتها، لم تكف الهجمات الدورية على القوافل والتجمعات، لذا صدر مرسوم سري يقضي بمهاجمة أي فرنسي أو مجموعة أفريقية تتحرك في منطقة الصحراء، هل أخطئوا وتركوا أثارهم؟ لا يمكن، كانت العملية متقنة. ربما معهم مقتفي أثار، لو كان الأمر كذلك فلابد بأنه داهية أو طارقي لعين.
“الفرنسيس الملاعين”.
“هل نخرج إليهم؟”. قال القصير، رأيتُ في عينيه توقاً هائلاً، ثم قال: “على كل حال ستكون ميتة مشرفة”.
“لا، التزموا أماكنكم”. قال القائد. لأول مرة يفضل الاحتماء، بدل الهجوم. في نظره أي هجوم هو قمة الاحتماء. في تلك الليلة تمركز على ركبته، متشبثاً بسلاحه. نظر إلينا بعين ذاهلة، مرتعبة، قال بصوت مرتعش: “ليسوا فرنسيين، مطلقاً، تراجعوا إلى الداخل”.
بدأنا نتراجع، حين سمعنا صراخه المرعب. لا أعرف لم ركضتُ مرتعباً، قدماي كانتا ترتعشان، سمعتُ القصير يسأل ورد كو الأضخم بيننا: “ماذا الذي يجري؟”. لكن ورد كو واصل الركض للداخل. الظلمة كانت شديدة، كنا نصطدم بكل شيء أمامنا، رجلي أصيبتا بالكثير من الجروح. سقطتُ على وجهي عدة مرات، حتى وصلنا للطرف الآخر من المغارة، خرجنا للعراء، فهالنا ما رأينا.
رأس قائدنا، قطع من جسده، جلبابه الممزق، في عينيه نظرة مرعبة. توقفنا نلهث، في اللحظة التي انهار فيها صديقنا القصير، فصار يصرخ مرتعباًـ متسائلاً عما يجري. شعرتُ برأسي مشتعلاً، وأنا أتنفس بعمق، الضيق يشتد على صدري، لا شيء يمكنني فهمه، قلت للقصير:
“أصمت، أنت تهذي”. لكنه واصل الصراخ، قال وهو يرفل في رعبه الطارئ، متناسياً رغبته الموت ببطولة: “لا أريد أن أموت، اسمعني لا أريد أن أموت، لا أريـ …”. قبل أن يكمل جملته، رأينا فتحة هائلة في جبينه، تدفق الدم نحيلاً، فيما أخذتْ عينيه تحدقان في اتجاهين مختلفين، انهار منتصباً على ركبتيه، تجمد جسده، كان بوسعنا رؤية النجوم من خلال ثقب جبينه.

***

فتحت عينيها ببطء مع ساعات الليل الأخيرة. كنتُ أدخن غليوني، تلك هي الحشوة السابعة هذه الليلة. الهلع يجتاحها برعب كامل.
“إنهم هنا”.
“من تقصدين؟”.
“إنهم هنا”.
“اهدئي”. عرفتُ بأنها شاهدت كابوساً. اقتربت منها وهي تنتفض، أخذتها في ردائي، كطفلة صغيرة مرتعبة أخذت تنتفض في حضني وهي تحدق بتركيز، كأنها ترى كابوسها أمامها. شعرتُ برغبة بتحسس شعرها. كان كثيفاً، كأفكار شقية. أغمضتْ عينيها بسكون سرمدي. كلحظات الغياب الصوفية. أسندتْ رأسها على كتفي مددتها على الرمال، تمددت بجوارها، كنا مباشرة تحت النجوم، الصحراء الخالية ممتلئة بأفراح التي استيقظتْ في قلبي. رحت أحلم مستيقظاً بأشياء نسيتها منذ عقدين. رجعتُ شاباً، كان جسدي يتوتر، عضلاتي تتقلص بشكل لا أستطيع التحكم به. ثم اشتممتُ رائحة شعرها، جسدها، نومها، هدوئها الهاجع في العراء، فوجدتُ بأنني أكثر ابتهاجاً. أغمضتُ عيني حالماً في نفس اللحظة من بعيد رأيتُ شيئاً كالضوء، كمجموعة أضواء تحلق على مقربة من الأرض. لم تكن نجوماً. حين فتحت عيني، اختفى كل شيء. لكنني واصلت الشعور بالرعب الداخلي, إحساس استيقظ حين رأيت الفتاة، لكنني قمعته لسبب واحد، هو عدم رغبتي بإثارة خوفي.
حدقت بتركيز عبر الأفق. مددتُ الفتاة بهدوء، استرخى جسدها، عنقها، كطير خرافي. بدتْ كأميرية من اريتريا ترفل في الأقمشة البيضاء المطرزة، لولا معرفتي بأنها من النيجر لظننتُ بأنها من اريتريا، جزء من التسمية تحوي معنى الجمال في لغتي. لم أستطع كبح إعجابي بجمالها حتى وأنا مرتعب في تلك اللحظة. جزء من شجاعتي الطارئة، بسبب هو خوفي أمام ذاك الجمال.
رتبتُ كومة أسلحتي. وضعتُ السلاح الناري بالقرب مني. السهام، برؤوسها المغموسة في محلول الثوم. الرماح النحيلة عليها تعاويذ من شيوخ تمبكتو، تم جمعها من المجلدات القديمة، التي يقال بأنها ترجمتْ في العصور العباسية، عن الوحوش الليلية، العشرات منها، أنزلتها من حمولتي ضمن بقية أشياء على ظهر بعيري. صففتها بشكل يسهل استخدامها، على شكل دائري حولنا. خطة قديمة استخدمها القائد في إحدى اللحظات الأكثر صعوبة في حياتنا، حين وجهنا حملة تأديبية قادمة من طرابلس. آنذاك كنت في الخامسة عشرة كما كانت أولى حملاتي. رأيتُ بعيني ما يمكن لسبعة رجال من التيدا أن يقدموا عليه.
“ليست الحياة هي المهمة، بل موت الخصم”. كنت أستمع إليه قبل بداية المعركة. في ذاك النهار الصعب، تعلمتُ كل شيء.
“عليك أن تختار أفضل ميتة، أن تستمتع بها، يجب أن ترى بعينيك ما يمكنك القيام به قبل أن يراه خصمك، الخوف هو أمر تعرفه جيداً، لأنه أنت، تعلم أن تكون الخوف نفسه”.
ثم ضحك القائد قائلا: “أنت أمر في داخل عدوك”. إنني أتذكر الأمر كأنه يحدث الآن، لكنني لا أستطيع أن أقمع الخوف البارد في جوفي، قدمي تتحركان لوحدهما، حاولتُ إخضاعهما ففشلتْ. أخرجتُ خنجري، قمتُ بجرح نفسي، أعلي الركبة، فكف قدمي عن التوتر.
عندها أخرجتُ الموزري. في ذهني كنت أعرف بأني لن أستطيع استخدامه أكثر من ثلاث مرات. لذا تركته في الخلف تماماً بالقرب من الحسناء النائمة. حين جهزتُ كل شيء. اقتربت منها، كان جمالها مؤلماً في الصميم، شيء ما يدفعني لتجربة البكاء، تمنيتُ أن أقدر البكاء ولو للحظات، كما رأيتْ ذات مرة الزعيم نفسه يبكي كالأطفال.
حكيت للقائد ما رأيتُ، فتنهد بعمق قال بعدها: “إنهم يبكون يا فتى، إنهم يبكون”.
“لكن البكاء ليس شيمة الرجال، قائدي”.
“من أخبرك بهذا؟ الرجال يبكون يا فتى، يبكون بحرقة، أي رجل لا يبكي، لا قلب ولا عقل له، بل هو وحش، أنا لا احترمهم حين لا يبكون”.
“أتبكي يا قائدي؟”.
“نعم، حين أتذكر طفولتي، جدتي، حين أتذكر بعضاً مما لم أعد قادراً على القيام به، أبكي لأنني لم أعد قادراً على القيام به، إنها لحظات مُربكة يا صديقي”.
كانت هذه لحظاتُ مركبة. جهزتُ نفسي، استندتُ على ركبتي مراقباً الظلمة الكثيفة المحيطة بنا. النجوم تومض، في عيني، لأنني تذكرتُ والداي.
شيء كالسحب تعبر، يحول بيني وبين النجوم، لم يسبق أن شعرتُ بهذا الحسم، كأن أمراً نهائياً يحصل معي. كأني أحتوي موتي بين ضلوعي، عندها فكرتُ بأنني ميت لا محالة، وإن لحظة موتي لن تكون مضحكة. على الأقل، سأموت بأنياب وحوش لا ترحم.

***

والدي رجل من الطراز القديم، لا يأكل إلا وجبة واحدة، لا يتكلم معنا إلا في صيغة الأمر والتوجيه، كل حياته إيماءات مبهمة.
تركنا حين كنت صغيراً، ربتني والدتي، قضيتُ أحلم به حتى بلغتُ الثانية عشرة في اليوم الذي زارنا فيه للمرة الأولى. كان أشبه بعابر زاهد، ملابسه ناصعة، وجهه متغضن بعروق بدت لي كأنها أخاديد أو خيوط آسرة. قضى معنا شهرين، لم يتكلم خلالهما إلا قليلاً، كنا سعداء برؤيته، لكننا لم نري سعادتنا لأحد، كأي طفل من التيدا، تعلمت أن أضبط نفسي عن الضحك، حين أتذكر هذا الآن اشعر بالغضب، ليتني ضحكتُ حين كنت طفلاً، لا أحقد على أحد، لكنني لو قدر لي إنجاب أبناء سأدعهم يضحكون طوال اليوم، على مدى الأسبوع، سأجعل منهم مبتسمين على الدوام، ليتعلموا بأنهم يعيشون لأجل الآخرين. الزمن يتغير، والدي كان جدياً، كان لا بد أن يكون كذلك، كما كنت أنا طوال حياتي، الجدية، القتال، التيه عبر الأراضي الشاسعة، في احدى المرات، حين وطئت قرية صغيرة شمالي تشاد، رآني عراف عابر، ظل يراقبني عن كثب وأنا أتغذى عند أحدهم، تركته يرحل، لم أريه بأنني لاحظته، حين انعطف، قمت إليه مسرعاً، تعقبته دون علمه، حتى دخل في منطقة الأحراش، انقضضت عليه بالقرب من إحداها، كدت أذبحه لو لم يذكر اسم والدي.
“أنت ابنه أليس كذلك؟”. كنت وضعت حد الخنجر على عنقه، حتى رأيت خيطاً نحيلاً من الدم ينساب بكسل.
“كيف عرفت؟”.
“أعرف والدك”.
“تكذب”.
“أقسم، قرأت له طالعه منذ عشرين سنة، نصحته بأن يعود لأبنائه، هل فعل؟”. لا أعرف ما جري لي وقتها، كان والدي قضى معنا شهرين ثم رحل دون رجعة، أيعقل أن يكون هذا المسن محقاً، هكذا فكرت في ذهني، رفعت الخنجر بحذر، أعدته لغمده المطرز بأيدي موتورات من أغاديس، يقال بأن أفضل سلاح تختاره هو أجود أسلحة عدوك، لدي سيف بتار، كما إنني أمتلك سلاحاً نارياً انجليزياً وأخر عثمانياً. حين أواجه طارقياً فإنني أستخدم السيف، أقطع يديه، كنت في تلك المعركة الأخيرة، حين قمنا بإبادة المئات، بل الآلاف منهم، قبل أن يتم توقيع تلك الوثيقة، كما شاركتُ في غزوات هائلة ضد الفرنسيس، على طول الصحراء حتى أعماق تبستي، لكنهم جلبوا أسلحة ثقيلة في الفترة الأخيرة الأوغاد، لقد امتلكتُ جميع أنواع الأسلحة، لكنني لم أغلب العراف، فقد حاربني بأكثر الأسلحة قسوة، العطف الأبوي.
“والدك كان تائهاً”. هكذا قال. كان جالساً على الرمال، كان مرتاحاً، كنت كأنني أجلس على جمر، تمنيت أن أفتح قلبه لأعرف كل شيء دفعة واحدة وليس بأساليب العرافين، التلميح، الكلمات التي تملك عدة معاني، إنهم يختبرون ذكاء الجميع، حتى من يحمل لهم الموت، اللعنة عليهم.
“والدك، وجدته على وشك الموت، مقرراً مهاجمة، الفرنسيس، عند الحدود الغربية، مقرراً اختراق ممالك من الشياطين”.
“ماذا؟”. كان كلاماً غريباً.
“في تلك السنوات ظهرت حالات غريبة، بعض التجار تعرضوا لهجمات ساحقة، الذين نجوا منهم غدوا مجانين يتحدثون عن أكلة لحوم البشر، عن مخلوقات بأعين مضيئة كأعين القطط، يقتنصون البشر، كأنهم من الحيوانات المفترسة”.
“ماذا”.
“إنهم وحوش أسطورية، كنت قد قرأت عنهم، عند معلمي في تمبكتو، لم أعتقد أبداً بأنهم موجودين بالفعل، في المخطوطات القديمة رسومات لهم، دراسات عميقة عنهم، لكنها قليلة جداً، يقال بأن هناك مكتبة كاملة مفقودة، تظهر أحياناً في مناطق تاريخية معينة، لكنني لم أقابلها قط، والدك قرر أن يصل إليها، سمعتُ بأن صديقاً له قتل في احدى الغارات، كان طوال سنوات يقتنص الفرنسيس، معتقداً بأنهم من قتلوا صديقه، حين شرحتُ له عن تلك المخلوقات، لم يصدقني، غادر ناحية تلك المناطق، ثم بعد ثلاثة أسابيع عاد في حالة مرعبة، أصر على معرفة كل شيء عن تلك المخلوقات، حكيت له كل ما أعرف بأمانة تامة، لأنني عرفتُ بأنه يريد مواجهتهم، كنت أتمنى أن أراهم رؤى العين، لكنني سمعتُ بأن من يراهم لا يعود ليرى شيئاً أخر أو أن يصل حتى ليوم التالي، لذا نصحتُ والدك ليعود لرؤيتكم لأنه لن يجد فرصة أخرى”.
في ذهني كان شيء واحد يدور بعمق. أولاً عرفتُ بأن والدي ميت، ثانياً عرفتُ بأنني طوال هذه السنوات، كنت أنتقم من عدوين وهميين، الطوارق والفرنسيس، لكنني كنت أنتقم من عدو ثالث حقيقي بالفعل. وقتها كنت في الخامسة والعشرين، كنت قد أسستُ مجموعة أشخاص، أدربهم كل مرة على قتال تلك المخلوقات، في كل غارة، نخرج سبع أشخاص، أعود لوحدي، بعد أن نفتك بالمئات منهم بالمعدات التي حضرها العراف، ثم تعلمت أن أقاتلهم لوحدي، وقد أضفت إلى قائمتي التجار، القائمة الجديدة، ثم صائدي الجوائز، مع هجمات أخرى ظللت لسنوات أنفذها على بعض تجار الرقيق من التيدا والعرب، أحياناً في الليالي المقمرة داخل احدى الواحات، مستمعاً لغناء الحزين، ورقرقة المياه أتذكر رغبتي بالضحك الطفولي، ثم أتذكر بأنني مثل والدي، عندها أعاهد نفسي بأنني سأجعل لأبنائي حياة أخرى، فيها نور أفضل، وسهولة أكثر.

***

والدي سبب قتالي. الآن فعلي أن أدافع عن صبية مرتعبة. لدي عائلة الآن. هكذا فكرت وأنا أضع غليوني. أخرجت عدة أوردة، ألصقتها على ثلاث خناجر، إحداها خنجر أسباني، والاثنان صنعا بأيدي أمهر الحدادين، ممزوجين بسم فريد، مصنوع من محاليل الثوم. ليس فقط لقتل البشر، بل لقتل هذه المخلوقات القذرة اللعينة التي تسكن الكهوف وأعماق الصحراء.
“سنموت”. قالت الفتاة، التفت إليها في الوقت الذي أحسست بالقرب منا حركة ما، خارج نطاق الضوء، أخذتُ نفساً عميقاً. غمست يدي في الرمال الباردة، ثم رأيته يتقدم بسرعة. رأيتُ عينيه أولاُ، ثم أسمال التي على رجليه، عندها صرختُ عالياً، ورفعتُ خنجري، لمع النصل بضوء النجوم ووهج النيران، في اللحظة التالية كان المخلوق واقعاً عند قدمي الفتاة، ينتفض كطير مذبوح، اقتربت منه، كان يحدق في الفتاة، عاجزاً، فيما أصيبت الفتاة بدهشة، ظلت مصدومة تحدق في عيني المخلوق، لم تكن عيني بقدر ما هما جرحين غائرين.
“أنظر إليه، إنه ضعيف”. عندها غرستُ الخنجر في قلبه، فانقشع في صراخ هائل.
“ما هو، ما هو، ما هو”. ظلت الفتاة تردد.
“لا أعرف، لكنني أعرف كيف أجعله يعرفني”.
“كيف قتلته؟”.
“إنها مهنتي”. أخذتْ تحدق إلى.
“من أنت؟”.
“لا تهتمي، لا يزال أمامنا بضع ساعات أخرى، علينا أن نتحرك ببطء شديد، في الغد سنصل لواحة قريبة، سنصل تجرهي، لذا علينا أن نبقى أحياء حتى الصباح، إنها مهمة ليست سهلة”.
كانت تحدق هذه المرة بشيء من الثقة، عرفتُ بأنني فزت هذه المرة، بدأت استعرض مهارتي، حملت قبساً درت في حلقة، ضيقة، ثم تقدمنا، غرست أسلحتي مرة أخرى بنفس النظام، ثم درت للمرة الثانية في حلقة متسعة أكثر قليلاً، ثم تقدمنا، غرستُ أسلحتي بنفس النظام. هكذا حتى مسافة معقولة، حين سمعنا صوتاً، سمعتُ لوحدي، طلبت من الفتاة أن تعود لتكمن عند المتاع. تركتُ الخناجر وسحبتُ سيفاً، فالخصم هذه المرة ليس واحداً، نزعتُ جلبابي، حركتُ نفسي وأهلت التراب على جسدي، في اللحظة التي رأيتُ اثنان يهاجمان، وثالث يدور خارج حلقة الضوء بسرعة جنونية، فهمتُ ما يريد، غرستُ السيف، في الوقت الذي رفعتُ فيه الرمح، بدورة واحدة، كنتُ فتحتُ الاثنين قبل أن يقتربا مني، ورميت الرمح بسرعة ناحية المسرع، فسمعتُ صراخه في الظلام ورأيت الانقشاع، لم أتوقف، دورتي الثالثة كان أكثر صعوبة، فعدد كبير منهم يتجهون الآن ناحية مكان الفتاة، كنت أشعر بهذا، خطواتي كانت وحيدة، مع ذلك عند كل خطوة أشعر بالأرض ترتج تحتي، سحبت السلاح الانجليزي، حملتُ مشعلاً ضخماً رميته بكل قوتي، في الظلمة، وراء المجموعة، ثم رميت ثانية وثالثة، حتى رميت أربعة مشاعل، بسرعة، حين استسلمت النار وأشعلت باستقامة، ظهر أعدائي، كان يحيطون بي، رأيتهم مستعدين، حوالي العشرين منهم، سبع اطلاقات أسقطت منهم مجموعة لا بأس حتى أصبح من المتعذر استخدمها ثانية دون خسارة وقت ثمين، لذا رفعت الموزري، حين هجموا بتلك السرعة، ألقيت به بعنف شديد، سمعت أزيزه، في دوراته المتتالية.
يقال بأن الشيطان استخدم أسلحة البشر، جعل من ابنه هدفاً، أطلق عليه من السلاح الناري، انطلق يسابق الطلقة، لإنقاذ ابنه، فنجح في ذلك، نجح مع السهم والرمح، حينها قرر تجريب الموزري، أطلقه بقوة بشرية، انطلق بعدها لإنقاذ ابنه، حين غدا بالقرب من ابنه، سمع صوت حركة الرياح كأن السلاح قادم من جميع الجهات، ارتعب ترك ابنه، بالكاد أنقذ نفسه من السلاح المرعب الذي لم يره قط وهو في الهواء، بل سمع صوته.
سلاح أسطوري!
لا يوجد كثيرون قادرون على استعماله كما يجب. أخذتُ نفساً عميقاً، ثبت رجلي فوق الرمال، كنت اسمعهم يقتربون، الأوغاد، التقط نفساً أكثر، ملئت رئتي، أثناء الزفير، أرجعت يدي، حاملاً الموزري بقوة، التقطته حتى شعرت بعضلات صدري تضطرب، كنت ارتفعت عن الأرض من قوة الرمية، ثم سمعتُ صوت السلاح، يزأر في الهواء، لم أضيع الوقت، التفت بسرعة، مخترقاً المجموعات التي توقفت مندهشة، مرتعبة من الصوت، لمحتهم كما لمحت الفتاة تحدق بعيني مليئتين بالدموع، ركضت ناحية الرمح، رفعته في اللحظة التي رأيتُ فيه الوحوش، يتساقطون بفعل الموزري، انحنيت وضربت بدوري المجموعات الأقرب من المتاع، استطعت قتل خمسة، حين سمعت السلاح يقترب، قبل أن يصل للمتاع أمسكت بمقبضه، كان قوة اصطدام كبير، مع الأيام لم أعد قادراً على الإمساك به جيداً، حتى إنني أحسست بأني كسرت أصبعي البنصر، في الجولة الثانية، كانت المجموعات تعاني لكنها لا تزال تقترب، أخذت نفساً أعمق، يدي ترتجف، رأيتُ جانباً مكتظاً بهم، عرفت بأن الجانب الذي يجب ضربه بسرعة، أطلقت السلاح بينهم بعنف، فانبعث الصوت مجدداً بقوة أكبر، بأزيز أكثر حدة وضخامة، ورأيتهم يتساقطون كالذباب، أجهزت على كامل المجموعة التي بالقرب من المتاع، وخلال الوقت قليل، كنت أنهيت معركتي. فتكت ما يعادل عشرين مخلوق شرس، عادة هي لا تكون بمثل هذا العدد، إنها مجموعات صغيرة، تعودتُ أن يكونوا خمسة أو سبعة على الأكثر، أمام هذه المجموعة فإنها لا بد مهاجرة من هجوم ما، إنها هجرة، ليسوا مهاجمين، إنها مجموعة هاربة، عندها اقتربت من احدهم. كان لا يزال ينتفض. عينيه مغارتين، يتلاشى.
فكرت قليلاً، ثم التفت ناحية الفتاة. أركبتها المهري سريعاً، ركبت خلفها، ألقيت بكل شيء، حملت أسلحتي والماء ثم انطلقنا بجنون. كأن المهري عرف ما أفكر فيه، كان يتململ طوال الليل. كنا نسابق الرياح، تذكرت قصة ألي أليماي حين هرب من الشيطان، استغربت لأنني أتذكر قصة سمعتها منذ أكثر من خمس وعشرين سنة.
“ماذا هناك؟”. سألت الفتاة.
“لا شيء، ليس هناك شيء”. قلت، لكنها لم تسمعني. كان شيء ما يركض بجوارنا، التفت فرأيت ما يشبه خطم حيوان ما، ثم رأيت الأنياب، والشعر، رأيت ما لم أراه من قبل، ارتعدتْ فرائصي للمرة الأولى. أمسكت بالموزري، وأنا فكر في كيفية إطلاقه ثم المخلوق بدا يتباطأ، وأخذ المهري يحلق كالنمر، بعيداً في الظلمات التي أخذت تنقشع، كنا نحلق ناحية الشروق، بعد دقائق، بدأت السماء تضيء، ظهرت الصحراء أمامنا مجدداً، أوقفنا المهري حين بدأت أولى شعاعات الشمس بالشروق. نزلنا وتمددت الفتاة مباشرة ثم بدأت الضحك. راقبتها وأنا أبتسم مراقباً صدرها الذي أخذ ينتفض بعنف.
“نجونا”. قالت بارتياح.
“نعم”. قلت وأنا أمد لها قربة الماء. شربت قليلاً ثم تمددتْ مجدداً.
“بعد أيام سنصل تجرهي”.
“حقاً؟ هل أنت من هناك”.
“لا”.
“من أين أنت؟”.
“من تازر”.
“أنا من أغاديس”.
“أغاديس”.
“نعم، والدي قدم من فاس”.
“مغربية؟”.
“هذا ما يقولونه، أمي من أهجار”.
“كم هذا رائع، أنت خليط مدهش”.
“أرادوا تزويجي لنبيل من أوباري، سليل الشيوخ، قالوا”.
“حقا؟”.
“لم أكن أريد، تمنيت الموت، لكنهم وضعوني في ركبه وأرسلوني معه، بكيت طوال الليل، حين هاجمتنا تلك المخلوقات، قتلوا جميعاً، بمن فيهم أبي”.
قالتها بلا مبالاة، بدت كأنها تحاول قول شيء ما.
“ماذا ستفعلين الآن؟”. سألتها ونحن نبدأ الحركة.
“لا شيء في بالي، لكنني لن أعود لأغاديس”.
“ستذهبين لأوباري”.
“مطلقاً، لم أصدق بأني تخلصت منها”.
“مؤكد بأنك تريدين فعل شيء”.
“نعم، لكنني لن أفكر في ذلك الآن”. ابتسمت وتقدمنا. تقدمنا خلال أيام جيدة. تجاوزنا مئات الكثبان حتى ظهرتْ تجرهي من بعيد. عرفتُ عندها بأن معركة صغيرة أخرى انتهتْ. تسألتُ لوهلة عن ماهية المخلوق الذي لحق بنا. كان فريداً، لم أر مثله قط، طوال فترات مهاجمتي، للوحوش الليلية. تجاهلتُ الأمر فور دخولنا الواحة، اشتممت رائحة التمور، فشعرتُ بروحي تسترخي.
نظرتُ للفتاة ثم سألتها: “ما اسمك؟”.
“زارا”. قالت ثم ابتسمت. رأيت في عينيها لمعان غريب.

الصورة للشاب التباوي جبريل دوكو

تمتْ

ثلاثة لقاءات – قصة قصيرة

1

عند حديقة الضريح المقابلة للمكتبة الوطنية، جلست على إحدى المقاعد الخشبية التي خطت عليها ذكريات مجنونة، معي مذكرات كازانتزاكي، لا تفارقني مطلقاً، ودفتري الأسود. كانت الساعة تقارب العاشرة ليلاً، البرد شديد، أشجار تحيط بالمكان، كنتُ قرأتُ مئة وخمسين صفحة من كتاب الشياطين لدوستويفسكي داخل دار الكتب، لذا لم أستطع السير حتى محطة الحافلات. جلست هناك منذ التاسعة والنصف، أحدق في الأغصان التي تحركها الرياح الباردة كأنها محتجة على الحياة. كان ذلك في نوفمبر 2007. كنتُ وقتها أعاني من مرض مجهول يجعلني لا أنام ليلاً، فقد بدأتُ أرى الحياة بطريقة غريبة، اعتزلت الجميع بلا استثناء، لا أزور إلا المكتبات المقامة في الأزقة المعتمة والضيقة. كنت ألتقي بأناس لا أعرفهم، فقد رأيت أحدهم يخرج من المكتبة، دافناً أذنيه في ياقة معطفه البني، اتجه ناحيتي بسرعة، حين اقترب رأيتُ البخار ينبعث من فمه. جلس بجواري وهو يفرك يديه بحماس.
“كيف حالك؟”.
“بخير”.
“أليس هذا مزعجاً؟”.
“مزعج”. لم أكن أعرف ما هو مزعج، لكنني شعرت بأن الاجابة جعلته يتحمس لشيء ما، فضلاً عن إنني كنتُ اشعر بالإنزعاج فعلاً.
“أنت تعرف ذلك”. قال.
“قليلاً”. قلتْ.
“ربي لا أعرف بأنه هكذا”.
“حقا؟”.
“أوه، الوحدة قاسية”. عندها فرك يديه سريعاً ثم وضعهما على كتفي، ضغط بقوة ثم سألني: “بالله عليك، أخبرني كيف بوسعك الصبر”.
نظرتُ إليه بهدوء، عرفت بأني أصبحت أمراً أخر، مرشد روحي عرضي، أو مادةسردية كما لا بد أنه شعر بسوء موقفه، أفلت خيوط حياته للحظة، صرت ممسكاً بكل شيء، أصبح تحت رحمتي حين قلت له: “أنت تعرف، أشياء مشتتة”.
“صحيح، كم تبدو مشتتة؟”. قال مستعيداً التحكم بكل شيء.
“لكنها لا تعني شيئاً، إنها لا تعني الكثير”. قلتُ بارتباك.
“حقا؟”.
“لا بد بأنك جبار، إنهم يقولون بأن ما لا تستخدمه تفقده”. ضحكتُ من هذه النكتة، فضحك بدوره.
“ماذا كنت تعتقد؟”. سألني فارداً ذراعيه بأسلوب إعلاني.
“احتاج لقليل من الظلال”. قلتُ جملة أدبية، بسبب أسلوبه الغامض والمتهكم.
“الكثير منها، كنت هناك قبل سنوات، لم يكن الأمر جيداً، لكني أود سماع رأيك”.
“حسناً، أشعر بأنني شخصية قصصية”. قلت موضحاً وأصبح الأدب محور الحديث.
“حقا؟”. بدا مفاجئاً.
“هكذا”.
“ماذا الذي يجعلك تؤمن بهذا؟”.
“كل شيء، أنا شخصية ثانوية لم يهتم بها المؤلف جيداً، مضطر لأن أخترع قصة جيدة لنفسي كما إنني أرغب في تحطيم أسلوب هذه الرواية”.
ضحك حتى التمعت عيناه.
“ماذا ستفعل حيال ذلك؟”.
“افعل ما تفعله الشخصيات القصصية الثانوية، لا شيء”.
ضحك بصوت أعلى.
“أنت شخصية ثانوية، لا شيء هو أنت إذن”.
“أتظن؟”.
“على ما أعتقد”.
“لا تعتقد، أنا ايضاً اعتقدتُ هذا، اكتشفتُ بعدها بأن كوني شخصية ثانوية أمر يمنحني القدرة على التحرك دون تساؤلات، لست نجماً أو رجل مجتمع. فأنا مجرد شخص من الملايين لو افترضنا بأنك نجم أو كاتب معروف فإنك ستغدو تحت رحمتي هذه اللحظات. لأن أي شيء غير متوقع سيحدث سيكون ضدك، لهذا يتخذ النجوم أشكالاً تنكرية في حيواتهم العادية، وفي الروايات الكبرى مصير الشخصيات العظيمة بيد شخصيات ثانوية”.
“لم أفهم نصف كلامك”.
“لا يهمني”.
“لكنه مثير، عليك أن تعتمد على شيء واحد”.
“ما هو؟”.
“أن لا يجعل منك أي كاتب شخصية رئيسية”.
“لن يحدث”.
“ما الذي يجعلك واثقاً؟”.
“لأنني من يكتب حياتي الآن، أحب أن أعتقد بأن المؤلف قد مات نهائياً”.
“أظن بأن الأمر مفيد للخداع”.
“إنه كذلك”.
“منذ متى تعتقد هذا؟”.
“منذ مدة ليست ببعيدة”. نظر لكتاب كازانتزاكي ثم إلى دفتري: “هل أنت طالب؟”.
“لا”.
“قارئ؟”.
” نعم”.
عندها قام، صافحني بيديه المشتعلتين ثم غادر.

2

بعدها بأشهر.

دخلتُ إحدى المكتبات الصغيرة المنتشرة بين أزقة بنغازي. كانتْ الرائحة الثقيلة تعبق من بين صفحات الكتب. إنها المرة الثالثة التي أزور فيها هذه المكتبة، قبل سنة تقريباً كنتُ زرتها، فرأيت مجلدات اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها. حملتها ثم وضعتها وراء الكتب المعروضة. وقتها كنتُ أقرا مجلدات قصة الحضارة من خلال مكتبة أخرى مطلة على الميناء، أقبع في زاوية طوال ثمان ساعات أتطلع خلالها لأغلفة الكتب وأقرأ صفحات قليلة عن الحضارات القديمة، لتبدو لي كأنها اعلانات رخيصة لتحركات الشعوب، لم أكن قادراً على الاعتماد على احترامي لسمعة تلك الكتب الموغلة في القدم والتي ترجمت بعضها بمعونة الجامعة العربية. الزمن أمر يُراهن عليه كل مجلد من تلك المجلدات المتخمة بالتاريخ.
حين عدت مجدداً للبحث عن المكتبة، لقراءة مجلدات جيبون، هالني بأنني نسيت مكان المكتبة، بالرغم من إنني أحمل بطاقة الاشتراك، من ضمن العشرات الأخرى. حاولت أن اسأل سكان المنطقة، لم يكونوا يعرفون مكانها. كاد الأمر يقودني للجنون، حتى إنني لم أقرأ طوال أسبوع لأنني تفرغت للبحث عن تلك المكتبة، حين أقرر قراءة كتاب ما بالتحديد، لا يكون بوسعي قراءة أي كتاب بديل، إنها صفة ظلتْ تلازمني منذ الطفولة. الكتاب الذي أحلم به، يكون بمثابة، اللعنة. كانتْ الأزقة مضأة بالكامل. لا أذكر تلك الاضاءة في زياراتي الأولى كما إن كل زقاق خالي من المكتبة يُسبب لي خيبة كبيرة، حتى تلك اللحظات كنتُ أتواصل مع الأشياء والناس بواسطة العناوين الجديدة التي أقرئها.
خلال إحدى الأمسيات، كنت قد خرجت من رحلتي اليومية، عرجتُ على محل صغير لشراء بعض الحاجيات. رأيت من بعيد زقاقاً مألوفاً. دفعت النقود ثم ركضت لزقاق، كان معتماً، اضاءة خافتة تصدر من باب حديدي، اقتربت فرأيت لافتة ضخمة تعلن بأنها مكتبة. دخلت بهدوء، متسللاً كانت الأرفف تقف من وراء باب حديدي، مقفل بإحكام. مكتب صغير في الداخل مفتوح، مررت عليه فوجدت فيه، شاب يضع نظارات طبية، منهمك في حل معادلات رياضية تفاضلية. رفع رأسه غائباً في مسائله، هززتُ له رأسي مبتسماً أن تابع، لست مستعجلاً. فانحنى وأخذ يخط بهدوء، مستغرقا كعالم اغريقي. انتهى بعد نصف ساعة دون أن يتوصل لشيء.
“كيف حالك؟”.
“بخير”.
“أسف كانت معادلات مرعبة”.
“أعرف”.
“حقاً؟”.
“انا طالب رياضيات”. قلتْ.
“حقاً؟”. عندها مد أوراقه لأرى مدى نجاحه. كانت مجزرة مؤلمة. لكن فيها بعض الأفكار الجيدة. قلت له: “لا يمكن حلها على هذا النحو، إنها طريقة قديمة، تحتاج لإثبات معادلة أقدم”. رسمت له معادلة كنت قرأتها ذات مرة في كتاب قديم، من الخمسينيات. نظر إليها متمعناً، لا بد بأنه لاحظ ما بها من خداع ثم سألني: “أهي معادلة صحيحة؟”.
“لا شيء يثبت عكس ذلك”.
“أليس هذا مضحكاً؟”.
“إنه كذلك على الدوام”.
“شكراً لك”.
“لا داعي”.
“بماذا أساعدك؟”.
“أنا مشترك في هذه المكتبة”.
“حقاً؟”.
“نعم”.
“عادة الذين يشتركون، يشتركون لكي لا يأتوا مجدداً”. دون أن ينتظر جواباً، نظر إلي وهو ينزع نظارته.
“ألديك بطاقة؟”. سألني.
“نعم”. أخرجت البطاقة من جيب قميصي، وضعتها على طاولته، فوق معادلاته, تطلع إليها باهتمام، لا بد بأنك مصر حتى تجدنا، بطاقتك مميزة.
“حقا؟”. قلتْ متأثراً بأسلوبه.
“نعم”. قال وهو يحدد نظره باتجاهي.
“لم أكن أعرف”.
واصل النظر، ثم قال: “انت بحاجة لمراجعة أمين المكتبة”.
“حقاً؟”.
“نعم، حقاً”. ربتُ على فخذي، علامة على الاستعداد للخروج ثم سألته: “أين أجد الأمين؟”.
“الدور الثاني أخر مكتب في الردهة، مقابل السلالم”.
“شكراً”. قمتُ من مكاني، صعدتُ السلالم. كنتُ أسمع وقع خطواتي، ترتج في معدتي، حين دخلتُ الردهة، رأيتُ ملصقات لكتب قديمة، لطه حسين معروضة كأنها كتب جديدة. عباس العقاد يكتب عن ليستيراتا المرأة التي عزفت عن الرجال في التاريخ اليوناني. مقالات محمد عبده. رسائل نعي كتاب الأوروبيين بدايات القرن والتي نشرها مثقفي مصر بترجمات أنيقة، معلقة على جدار الردهة كأنها وقعت قبل ساعة واحدة، حتى إن رائحة الصمغ، تفوح من تحت الملصقات. عندما دخلت المكتب وجدت الأمين جالساً يخط على ورقة بيد ويحمل رواية قصيرة في يد الأخرى، كانتْ رواية الكلب الأبلق الراكض عند حافة البحر لجينكيز ايتماتوف. رفع رأسه وقال مرحباً: “مرحبا، تفضل”. فقدتُ الكلمات لوهلة لأنه كان نفس الرجل الذي قابلته في حديقة الضريح تلك الليلة، أمام المكتبة الوطنية.
“أريد تجديد بطاقتي”.
“أعطني البطاقة القديمة”. سلمتها له وأنا أتطلع في وجهه.
“أنت من النظام القديم”. ضحكتُ عندها بشكل عفوي، نظر إلى متفرساً وغير فاهم.
“لم أر شيئاً جديداً منذ دخلت المكتبة”.
عندها قال: “حتى بالنسبة لمكتبتنا بطاقتك قديمة”. كان جاداً، جدية جعلتني أتسأل إن كان نفس الرجل، مع إنني كنت متأكداً بأنه هو، إلا إنني تجاهلت الأمر والتزمت الصمت.
“لا مشكلة، أختر الكتب التي تحتاجها ثم تعال لتستلم بطاقتك الجديدة”.
“حسناً”. نزلت للجناح الكتب، كان مفتوحاً في حين رأيت الشاب يقفل مكتبه وهو يهم بالمغادرة.
“تغادر؟”. سألته متشككاً.
“نعم”.
“لكن الدوام لم ينته”. قلتُ كأنني مديره أو ما شابه.
“أي دوام”. فقلت بأن الساعة تقارب الخامسة، ضحك وقال: “كنت بانتظارك وحين اتيت، انتهى دوري”.
“ماذا؟”. سألته فلم يجبن. ابتسم وغادر. كنتُ أسمع صكصكة مفاتيح كثيرة عند خصره، حين غاب في عتمة الزقاق.
دخلتُ بين الأرفف. تهت لساعتين، خرجت بعدها حاملاً، مجلدات جيبون، صعدتُ السلالم لنحو مكتب الأمين، كان مستغرقاً بين أوراقه، حين انتبه لوقوفي، قام، أخذ مني الكتب ثم أخرج بطاقة من درجه وشرع يدون عناوين الكتب، ببطء واهتمام، دون أن يتطلع إليها.
“الشاب الذي في الأسفل”. قلت.
“نعم ما به”.
“قال بأنه كان ينتظرني”.
“ماذا في ذلك؟”.
“كيف عرف بأنني قادم؟”.
“لم يعرف”.
“لكنه ..”.
“لا تهتم، إنه هنا للقاء قارئ واحد، كتب أنه أنت”.
“كُتب؟”. رددتُ مندهشاً من الكلمة.
“ألا ترى معي بأن كل شيء مكتوب؟”. سألني وهو يدفع مجموعة الكتب لناحيتي من الطاولة، هززتُ رأسي موافقاً. “هذا ما حدث”. قال وهو يمد لي البطاقة الخاصة بي. أخذتها ثم نزلت السلالم. إحساس رهيب يحثني على أخباره بأننا تقابلنا عند حديقة الضريح. أحجمت في النهاية. في الخارج كانتْ غلالة شفافة تغزو الأزقة الضيقة. عبرتها متجهاً ناحية الطريق الرئيسي، رأيت الشمس في آخر أطوارها، تسقط عند الأفق، بقعة حمراء كعين ملتهبة.

3

سنة 2010 توفي واحد من أبرز شعراء المدينة. فجأة عمت المكتبات حزن معتم. كنا نفقد آخر علاقاتنا بروح بلادنا الفعلية. كل مثقف حقيقي بكى على الأقل مرتين في بنغازي، مرة حين مات الأديب الصادق النيهوم، ومرة حين مات هذا الشاعر. أما أنا فبكيت مرات عديدة. حين ماتت جنينة السوكني الشاعرة الليبية، بكيت ليلاً، لم أكن قد التقيت بها في حياتي. حين قرأت أشعار أمل دنقل بكيت لأنه مات، ولأنه ليس ليبياً، الموت في بنغازي أمر مؤلم. إنها الوحدة التي تزداد بموت أي كاتب. فأنا مثلاً لا أعرف التواصل مع العالم إلا بواسطة أعين الأدباء، قلت هذا لصديقي ذات مرة فضحك وقال: “أنت بدورك تبدو كشخصية ورقية، هاربة من إحدى الروايات”.
“لو كنت شخصية روائية لم هربت قط”. كنا عند شاطئ البحر، نراقب الأمواج. “سأذهب لحضور حفل تأبين الشاعر”. قلتْ.
“أتظن بأنك تستطيع الحضور؟”.
“يجب أن أحضر، لم أحضر جنازته”.
“سنذهب سوياً”.
كان الحفل مقاماً في مبنى الدعوة الاسلامية، المطلة على بحيرة بمياه معتمة، والحديقة التي تتغير تسميتها باستمرار من قبل الدولة، لكنها في عرف الشعبي الخاص بي، تظل تحمل تسمية حديقة تبستي. سرنا في الليل المزدحم، كمية كبيرة من الإضاءة. شعرت بأنني عشت حياتي كلها في العتمة وإن الأضواء تخيفني، تذكرتُ بأنني وقفت أمام الشاعر حياً، ذات مرة، داخل دار الكتب، كانوا يضعون له كرسياً خاصاً في قسم الأدب العربي، يجلس هناك بصمت يخط في أوراقه. مراقبته عن كثب كانت إحدى أكثر الأعمال روعة قمت بها. يمسح جبينه كل لحظة، في حين أدركت بأنه يفعل ذلك كلما فرغ من بيت شعري، أو حين تستعصي عليه احدى الكلمات التي يحتاجها، فقط قال مرة بأنه لا يحترم الكلمات التي تأتي بالمصادفة، بل يحترم تلك التي تأتي لتمنح الجملة المعنى الذي يريده. حين قالها كان شاباً، قالها بالذات في بيروت.
حين دخلنا المبنى الدعوة الاسلامية، وخلال صعودنا إلى الطابق الثاني، كانت الاعلانات التجارية لا توحي بطابع الحزن المفترض، صورة طولية للشاعر العظيم في وقفة استعراضية من زمن مضى. لا بد بأنها كانت خلال احدى الاحتفالات القومية. وقفة صارمة. ظل يتطلع لزاوية الصورة وقد تدلت يده اليمنى بكسل واضح كشخص يفعل أمراً يعرفه جيداً. تقدمنا بهدوء. كان الحضور يجلسون على مقاعد متقاربة داخل قاعة واسعة. الكراسي موزعة بحسب الاسماء. ثمة كراسي شاغرة ليس عليها اسماء. اتخذناها بهدوء. ورحنا نتطلع للمنصة. كان هناك شاب يتحدث عن مدى حضور الجميع في أشعاره. يتحدث بحب واضح عن أشياء كثيرة قضى الشاعر حياته بحثاً عنها. البعد الصوفي في قصائده المبكرة، الرغبات الروحية، التمرد على السلطات في قصائده الأخيرة. رمز الجحيم. الموت الذي يسكن بعض الشخصيات التي تظهر في قصائده. إنها أساطير. قال الشاب ومن ثم نزل من على المنصة التي ظلت شاغرة لثلاث دقائق. ثم صعد عليها شخص آخر. عرفته حين رأيته مباشرة. إنه أمين المكتبة نفسه، إنه رجل حديقة الضريح ذاته. تم تقديمه كالقاص الليبي. صعد المنصة، كان يرتدي ملابس مطرزة بعناية، عليها طابع مغربي، بلون التراب. فرد أوراقه ثم تطلع ناحيتي مباشرة وقال: “نحن لم نفقد شاعرنا، نحن فقدنا قصائده التي لم يبدعها، من يعرف يرى جيداً بأنه منعزل بشكل يبعث على التساؤل الحقيقي. كيف بوسع شاعر منعزل بقدر ما كان عليه أن يعرف حياتنا بهذا الشكل. لقد عاش وحيداً بين الكتب. لم يحادثه أحد إلا بكلمات بسيطة هي مجرد تحيات خجلة. كيف استطاع شخص مثله ان يعرفنا بهذا الشكل حتى إن كل منا يجد نفسه في قصائده. يقول ما نتمنى أن نقوله. لهذا نحترمه. إن يعلمنا كيف نعيش حتى وهو ميت يفعل هذا”.
لم ينزل عينيه من على عيني حتى إن صديقي نظر لكلينا. عرفت عندها بأنه يوجه حديثه لي بشكل خاص. كل كلمة من كلماته تهمني، لذا اهتممت بكل كلمة تفوه بها.
“الموت لا يعني شيئاً هناك، إنه ككتاب تم تأليفه وانتهى حتى لو أنكرنا وجود الكاتب. فهذا لا يلغي كون الكتاب موجود بين أيدينا. نحن من ضمن شخصياته التي كُتبتْ بأسلوب ما. حفل التأبين دليل على هذا. الموت لا يلغي الكاتب، بل يبقيه حياً. كم أديب مات في عالمنا؟ كم من السنون مرت على أدباء قضوا؟ لا يزال أناس جدد يكتشفونهم في أطراف العالم. نحن لا نحزن لموت شاعرنا. دموعنا ليست مجرد حزن، بل أمر أخر نفتقده. أنا كقاص لم أجد له تعريفاً كما إنني لا أريد أن استخدم أول كلمة تصادفني. عالم الكتب لا يُبنى بالمصادفات حتى لو افتراضنا أن الكاتب لم يقرأ قط. لا يمكن أن نعتقد بأن كلماته ولدت لمجرد أن تظل كلمات. شاعرنا أدرك هذا في أغلب قصائده، إنه يخاطبنا، إنه يرشدنا على نحو ما فعله الاساتذة الكبار في التاريخ البشري. حين نقرأ قصائده لا يمكننا إلا أن نتذكر من نحن. نحن شخصيات في قصائده. كثيرون لا يعرفون بأنهم شخصيات روائية أو قصصية أو اقنعة شعرية ولدت بالحيل المعروفة في الشعر. من منا يصدق بأن أوليسس لم يكن مخلوقاً حياً؟ من منا لا يريد أن تكون طروادة حقيقية أو تكون هيلينا وجدتْ كما وجدتْ مارلين مونرو ذات مرة؟ من يعرف بأنه ليس ضمن كتاب لأحدهم”.
قال هذا ونزل من على المنصة، ثم أحسست بنفسي في سكينة هائلة. في الخارج، اتجه الكاتب إلينا مباشرة، وتفاجأت حين ذكر اسم صديقي، تصافحا، ثم صافحني كغريب عنه. جعلني الأمر مشتتاً فهو لا يتذكرني، لكن ما رأيته أثناء حديثه أمر أخر، إنه يعرفني جيداً، كما إنه يتذكر لقاءاتنا الغريبة. لكنه غادر دون كلمة، سألت صديقي: “كيف تعرفه؟”.
“إنه قائد في الكشاف الليبي”. عندها لم أدهش، لكنني أحسست بالخيبة، حين خرجنا من المبنى قلت لصديقي: “اقابله كثيراً، مؤخراً”.
“حقا؟”.
“نعم”.
“هل تعرفان بعضكما؟”.
“لا أعرف”. قلتْ.

تمتْ

تشريح الديكتاتورية – قصة قصيرة

كانت لدي مشاريع روائية مع الأيام تعلمت بأن التخطيط لكتابة رواية، أصعب بكثير من التخطيط للانقلاب على الديكتاتور، فحتى بلوغي الخامسة والعشرين، كنت مع رفاقي قد وضعنا عشرات الخطط، لإعداد انقلاب حقيقي ناجح حتى إن استمرار العقيد في الحكم كان بلا شك مكرمة منا، لأننا لم نضع أي من خططنا الكبيرة والمحكمة قيد التنفيذ، غالباً كانت المدرسة هي سبب، ثم احدى فتيات الحي، بعد ذلك جاءتْ أفكار صبيانية، تكاثرت في الذهن مع كم هائل من أفلام الإرادة الحرة، لولا تلك الأشياء السخيفة، لم استمر العقيد سنة أخرى.

بلغت الخامسة عشرة في عام 1984 وفي تلك السنة بالذات وضعتُ خططي الانقلابية الأولى معززة برسومات توضيحية لمناطق الحيوية، كما إنني عرفت الكثير من الأصدقاء، الذين لا يمكن الوثوق بهم، وأولئك الذي يجب الخوف منهم، مع قائمة هامشية طويلة، لأشخاص يجب الحذر منهم، لأنهم في جوهرهم يمثلون الديكتاتورية نفسها، ما حدث هو أن تلك القائمة الهامشية غدت مركز كل شيء مع الأيام اللاحقة أدركتُ بأن مسألة الديكتاتورية هي عبارة عن تحول الهوامش إلى أمور مركزية، واختفاء الحياة المركزية إلى الخراء بكثير من البهرجة اللغوية التي لا تقول شيئاً إلا لتخفي ما تود قوله في الحقيقة. قبل أن أتخطى الخامسة عشرة عرفتُ جيداً معنى أن تكون واضعاً لخطة انقلاب ديكتاتوري، وفي نفس الوقت أن تعيش حياتك على نحو سلس بحيث لا تثير الشكوك.

الوضع لم يكن هكذا بالمطلق حين بدأت بالتخطيط فعلياً لكتابة رواية سياسية. كنت مسحوراً بما كتبه ليونيد أندرييف كنتُ امتلكُ نسخاً قديمة من ترجمات ممتازة لا خيانة فيها، على الأقل بلا خيانة ظاهرية، لكتابات الروس مثل تشيخوف، تولستوي، الروايات الروسية القصيرة، السبعة الذين شنقوا، موت ايفان ايلينيتش، سوناتة لكروتزو، الضحك الأحمر، كورلكنو الموسيقي الأعمى مع كثير من الأحلام الأخرى، كنتُ بدأتُ أشعر بأن أدباء الروس مادة أقرب إلى المقدس، حتى بلوغي العشرين، كان عندي أعتقاد راسخ بأن تلك الكتب الأدبية مصدرها غير أرضي. كيف يمكن قراءة الراهب الأسود دون الشعور بأن ضمن النص طاقة فوق بشرية؟ هل يمكن كتابة شئ رائع كهذا، هل يمكن؟ إنه لا شك مذهل!

لكنني أتنقل بكم دون أن أخبركم كيف تعرفت على الكتابة، التخطيط لمقدمات سياسية. حسناً إلى جانب أن بلادنا لا شيء ثابت فيها، إلا إنني سأعمل على توضيح الأمر قليلاً، فمثلاً حتى بلغتُ الخامسة والعشرين، لم أكن قد تخليت عن مهمتي الأساسية. شيء من التحكم الذاتي كما سميته في عرف سياسي جديد، خاص بي وبمجموعة رفاق خياليين، إزدادت تقلصاً، ليس بسبب فشل الفكرة. الفكرة من حيث فكرة، بدتْ فوق العادة. قمة لا يمكن الوصول إليها إلا في علم السرية. هذا لا يعني بأنني أعتمد على الأوهام. كنت بالفعل أمتلك خيوط جميع التجمعات التي غدت أشبه بالخلايا السرية مع إنني كرهت هذه التسمية العدائية –الخلايا السرية– إلا إنها جاءت متوافقة مع التسمية التي ترمز لمهمتي الأساسية المتعلقة بقوة الكلمات، فهي تستمد قوتها من بذور الديكتاتورية، فبحسب الهيلغلية، فإنها بمثابة النقيض غير المعلن. أجل بهذا الشكل الحقيقي من المعرفة، استطعتُ أن أدرك بان الحقيقة السياسية المتحكمة بكامل الخيوط في البلاد، متعلقة على نحو عقابي بعالم الكلمات التي تبدو وكأنها تغلي خفية. كنتُ أمتلك ضمن حججي ما يؤكد هذا الإدراك الفلسفي. حقيقة كهذه لا يُمكن الإفصاح عنها لأحد، لذا ظلت فكرة التحرك السياسي بالنسبة لرفاقي الخياليين أمراً يفوق فهمهم القاصر والمتشبث بالصور الذهنية. هذه إحدى أولى العثرات التي جابهتني. الصور التي توجد في رؤوس المجموعة تعمل على إعاقة المفهوم العادي لمعنى الحقيقة السياسية في عمق كلماتي المغلية. كنت أجد الهدف صعباً، إنما أنا الساعي إلى تحقيق نصر سياسي على أخلاقيات الديكتاتورية، ما كنت لأنتكس لأجل مشكلة وهمية في رأس غيري، لذا بدأت أعمل على نحو لا يمكن التباطئ فيه، لأجل البحث عن الزاوية المناسبة لأكسب معركتي أمام الصور الذهنية منذ البداية كان السلاح الحقيقي ماثلاً أمامي: رواية سياسية ضخمة وناجحة.

مطلقاً، أبداً حتى لو يقتلني أحدهم بالفأس، لأجل ثلاثة جنيهات، لا يمكنني تصديق أن هناك شخص يكتب رواية لأجل هدف غير سياسي! هل يُمكن لتشيخوف المحبوب أن يهادن نظام القنانة دون أن يكون في عمق المسألة السياسية؟ ألم يعتبر بأن الرواية شأن للنبلاء، ألا يعني هذا الرأي رغبة سياسية من نوع ما من أجل تدمير المجتمع القائم، لأي سبب التزم بكتابة القصة دون سواها ألا يعني هذا بأنه يوجه أدبه للفقراء الذين يريدون قراءة النصوص السريعة ولا تلهيهم عن أعمالهم اليومية تمنحهم المعرفة بأوضاعهم، ألهذا السبب ترك رواية وحيدة غير مكتملة كناية عن مجتمع النبلاء القاصر؟ هل يمكن لدوستويفسكي أن يضع نهاية لأي فصل دون حشد هائل من الأفكار السياسية؟ هل يُمكن لأحد أن يقرأ لميلان كونديرا بعيداً عن السياسة؟ الأهم والأكثر قيمة في مجتمعي، فإن أقل نص شعري عن العشق، هو حدث سياسي بامتياز، لدي مجموعة كبيرة من الأصدقاء الشعراء السياسيين والثوريين، معلقين بملامحهم الملتزمة على جدار غرفتي، تماماً فوق الطاولة التي تحوي مخطوطاتي القديمة وقصصي وأشعاري القصيرة أيضاً، لسبب ما كنت أعاني مشكلة قصر نصوصي، والتي لم تصل مطلقاً لدرجة تكون معها مبشرة برواية ما.

الأمر مؤسف! فهمتُ آنذاك. أن ما نظنه حلاً، يمكن أن يغدو مشكلة حقيقية. هذه هي طبيعة الأشياء. أن تكتسب، معناه في الحقيقة أن تخسر دوماً بعض الأشياء، لذا الحل الذي اعتمدناه. صار بشكل لا يدع مجالاً للشك جامحاً لدرجة أنه يجب علينا أن نضع خططاً محكمة للسيطرة عليه. السيطرة على الحلول أمر يلغي المشاكل، وعدم السيطرة عليها، تزيد منها. كان الأسف واضحاً في الأعين. الفكرة التي وصلت إليهم، هي الحاجة لمزيد من الانتظار، المزيد من الساعات التي لن يحدث خلالها شيء، المزيد من المزيد. في تلك السنوات كان الانتظار يمثل بكل بساطة اللانهاية، مزيداً من الانتظار في اليوم، في الحقيقة لا يُبشر بالخير، كما إنه لا يُبشر مطلقاً بأي شيء آخر. كانت الحياة تغدو غالباً هامشية ذات صفات ديكتاتورية – في تلك الفترة – لأجل أشياء لا قيمة لها في الغالب كما إنها تأخذ أسلوباً غير واقعي، في الكشف عن نفسها، لم أعرف الحقيقة يوماً. ضمن إحدى النظريات التي كتبتها، ظننتُ بشكل قطعي بأن طبيعة البلدة هي السبب.

أحد الرفاق قال بصوت واثق: “ما هو الحل؟”. عندها كان يجب علي أن أفعل أحد الأمرين، أن أخبره بالحل، والذي أعرف بأنه لن يفهمه، بسبب تلك الصور اللعينة التي تشكلتْ في رؤوس سكان البلدة، سأكون عندها مضطراً لأن أشرح على نحو يسبب قتلاً للواقع السياسي الذي أعمل على خلقه بهدوء. إسقاط نظام ديكتاتوري يتطلب في الواقع بعداً عن كافة الأساليب التي يتبعها، أن تدبج بطريقة ما واقعاً مغايراً عن واقعه، محاولة شرح الفكرة ستعيدني إلى دائرته الديكتاتورية الكبرى، أية خسارة ستنتج في تلك اللحظة، إما أن أفعل هذا أو أن ألتزم بأفضل قرار سياسي على الإطلاق أمام الديكتاتورية، ألا وهو الصمت المقدس، العصيان المدني دون الإعلان عنه، الابتعاد الكلي عن أساليب الحكم السياسي، دعائم الديكتاتورية، البيروقراطية، الثيوقراطية، القبلوقراطية كما اختصرتُ فكرة حكم شيوخ القبائل -يمكن وضع نحت كلمة أخرى تمثل حكم التافهين- الذي شهدته البلدة خلال الفترة القاتمة من تاريخها. لذا التزمتُ الصمت ذاك اليوم. يمكن أن تتخيل كيف تسبب هذا الصمت بانسلاخ مجموعة أخرى من المشاركين الأغبياء. لنضع الحدث على نحو أكثر توضيحاً، بما يتضمن كلمات سياسية حقيقية، البلدة مسرح سياسي، الشباب وقود، الشيوخ عدو، النساء ينذرن أنفسهن للعمل الجاد على غرار ما أنتجته الإمبراطوريات الغالية. هذا ما أحسست بأنه ناقص بعض الشيء، العدو في الداخل. إنما كل شيء أخذ اتجاهاً مختلفاُ.

في تلك الفترة الصعبة بدأت أكتشف مدى صعوبة السيطرة على القوالب الروائية، كما يُمكن أن يتوقع أي شخص، بدأت بالكتابات الألمانية، توماس مان، هاينريش مان، هاينريش هاينه، هاينريش بارث للدواعي شخصية وتاريخية مع العشرات من القصص القصيرة من بينها كتابات لكُتاب أوروبا الشرقية والمنشقين الروس أمثال سولجستين. كنتُ أعتمد كتاب مثل نزيف الحجر كإنجيل سياسي من الدرجة الأولى، فيما بدأت أقتنع بأن العنف الروائي، هو الحل. أن أكتب أكثر الروايات تطرفاً وفي حالة إسقاط الديكتاتور، كتابة خطة محكمة، سياسية، عسكرية، قبلية عبر كل قرية في ليبيا، لكي أؤكد للناس بأن الديكتاتورية تتضمن فن التحكم بعملية إنتاج الصور الذهنية، فعلى مدى السنوات قرأ الشعب من على جداران المدارس، تلك الإيحاءات الذهنية، أعني تلك الإيحاءات الذهنية ذاتها التي استخدمتها لهدف معاكس.

تمتْ

رغبة شيطانية – قصة قصيرة

لم يحاول النوم بعد صلاة الفجر، ظل يترقب شروق الشمس، لينهي صيامه المستمر منذ يومين، مع إنكسارات الأولى للعتمة وتلون السماء بالرمادي الهادئ، بدأ بإعداد نفسه للخروج، أغلق المذياع الذي استمع إليه طوال اليومين الماضيين، أعاد مجلدات التاريخ التي لا يفتحها إلا ليلاً فيما العتمة تحيط بالمكان والزمان، أعادها إلى أماكنها الخالية على الرف الخشبي المتهالك -بتقزز حضاري- ارتدى جلباباً رمادياً، وضع على رأسه قلنسوة بيضاء، وقد تسرب إلى جسده خيط نحيل ودافئ من الإيمان، فقفز قفزتين مرحتين شبابيتين لا تتناسبان مع سنه، برشاقة مدهشة حمل كيسه القماشي الفارغ – قام بخياطته بنفسه- من على الطاولة. كانتْ تغالبه رغبة شيطانية عندما خرج من البيت، وهو يعد نفسه بأرغفة شهية وساخنة من المخبز الذي يبعد عدة مربعات سكنية.

بالنسبة إليه، هذا بمثابة حدث كوني هائل، منذ مدة طويلة فقد شهيته للطعام. لم يعد يحس بالبهجة لأكل أي شيء، ظن بأن السبب يعود لتقدمه في السن، بأنه دائماً ممتلئ وإحساس بالشبع يُدمر حياته، ويجعل من جوفه مستقراً لبرودة مستنقعية مقززة، اثرتْ في مزاجه كثيراً، صار انطوائياً لا يستطيع تحمل حماقات الآخرين، وهو ما سماه أحد الأطباء النفسيين بالإكتئاب الحاد. أي كان ما يشعر به فهو يجعله غير راغب في التواصل السليم مع الآخرين، لسنوات ظل هادئاً، ضمن عمل روتيني بالغ الرتابة، إذ يعمل داخل دار الكتب الوطنية. عمل هلامي يسميه البعض بأرشيف الدوريات القديمة، تلك التي لا يبحث عنها أحد إلا نادراً، أغلب مجلداتها علا عليها الغبار في سماكة هائلة، يقبع وسط العتمة وتلك الكثافة الغبارية، مقلباً أفكاره السوداوية فيما يتناول وجبات ساخنة، بحسب الوقائع الآتية من الكافتريا، لكنها لا تنزل إلا باردة مثل الأسماك المجمدة إلى جوفه، فيسوء مزاجه أكثر.

حاول كثيراً التخلص من هذا المزاج، فالأدوية الي كان يتناولها لا تساعده، فهي تجعله أكثر برودة، لذا قرر أن يعتمد على نفسه، ألقى بها في المرحاض، شد السيفون، مستمعاً لصوت الدوامي وهو يبتلع كل آماله الخائبة. استمرتْ الحياة برتابتها المعتادة حتى فقد شهيته تماماً. لا يتذكر كم من الوقت ظل بلا طعام، عندما انهكه المشي في أحد الايام بالقرب من مخبز آلي وحديث، بعد أن ظل صائماً ليومين. رائحة الخبز الناضج بدتْ شهية للغاية، عندها فعل ما لم يتوقعه أبداً، اشترى عدة أرغفة، خمسة أرغفة ساخنة مثل خدود القرويات، التهمها على الطريق قبل أن يعود إلى بيته، التهم خمسة أرغفة وكان لا يزال جائعاًـ امتلئتْ عينيه بالدموع من شدة البهجة ومعدته بدأتْ تعمل وتصدر أصواتا مثل معدة القط، تحسن مزاجه فجأة، وأحس بالألوان المتراقصة تغزو عينيه وبدفعة تشبه المس الجنوني في كل أوصاله، رجع على إثره لشراء المزيد من الخبز الساخن.

لأيام عاد شاباً، صافح اناس لم يصافحهم منذ سنوات، ألقى بنكات ناجحة عن حياته السابقة واحتضن في عتمة احدى ممرات، زميلته الشابة، لأنها بدتْ ناضجة مثل الخبز. اندهشتْ الفتاة واستسلمتْ لفيض الغامر لتوقه المفاجئ. خلال أيام من النكات الناجحة، أصلح ما أفسده مزاجه السيئ طوال سنين. بدا له بأن الحياة تحسنتْ أخيراً، لكنه استيقظ في ذلك الصباح بمزاج ثقيل وبمعدة باردة مثل مستنقع راكد. أمعن النظر في السقف، لاحظ التقشرات النهمة، وهو أمر فعله لسنوات، تنفس بعمق مقرراً عدم الخروج من البيت، فهو يعرف علاج حالته القذرة، ظل يتجول كالشبح بين الغرف، كان يحمل أشياء ويضعها، يمعن النظر في صور العائلة، فتاتين تزوجتا وزوجة متوافاة، وابن لم يعد يزوره، كل شيء كان كما هو، كل شيء لم يكن كما هو، لكنه يعرف كيف يعالج هذا، يعرف جيداً كيف يكبح هذا المزاج الشيطاني، لم يأكل شيئاً ليومين متتاليين، وفي الصباح هيأ نفسه للخروج، وعلى مسافة مربع سكني من المخبز اشتم تلك الرائحة العظيمة، تحرك جسده بنشوة بالغة، مثل طفل أمام السيرك، اشترى عشرة أرغفة، عمداً أطال مدة شوقه، اشتم القطع الساخنة، لمسها بلسانه، قربها مجدداً من أنفه، اشتم عبق الحياة، مراراً، وقبل أن يشرع في قضمته الأولى، وفي اللحظة التي رفع عينيه إلى الأمام شاهد مسناً بائساً، جائعاً ينظر إليه بعينين غائرتين ومجنونتين، بوجنتين عظميتين وببشرة متسخة يغطيها بأسمال بالية، تطلع إليه بإمعان، إلى جلبابه الذي كان رمادياً في يوم ما، إلى قلنسوته البنية بسبب من الأوساخ فوق رأسه، كانتْ بيضاء فيما سبق، تطلع إلى الكيس القذر في يديه، وتطلع إلى اليدين البشعتين. بالرغم من شعوره بأنه وجه مألوف إلا إن رعباً بارداً اجتاح قلبه، ومع ارتعاش جسده، عرض الخبز على المسن الذي يكاد يموت جوعاً، عندها وبحركة مترفعة من يده مثل من يبعد الذباب، رفض المسن الجائع، الخبز الساخن. إني صائم. هذا ما سمعه بوضوح فيما عبر المسن الجائع بالقرب منه، دون أن يُلاحظ شيئاً.

تمتْ

أوصاف العملة

حين أعلنت السلطات الاسبانية فقدانها لبعض المقتنيات من متحف الملكي ديل برادو والتي تعني المرج والمتمثلة في بعض العملات القديمة، لم يكونوا يعلمون بأن معجزة قد وقعت. قبل ذلك بأشهر. خمسيني وعملة نقدية من عصر الملك الاسباني فيليب الخامس، التقيا في ظلمات إحدى المكتبات العامة. الخمسيني كان قد اختتم قصيدة جيدة عن الأكمام الطويلة، ثم استغرق ساعة في مراقبة الأوشام على ذراعيه! “مؤسف ما تفعله في شبابك؟”. قال الصوت. فالتفت مذعوراً، كانت المكتبة غارقة في الظلمة، فيما أخذت الكتب تجتر الصمت وراء سحب الظلام. قام الخمسيني بإعادة قلبه إلى زاويته المعتادة. عندها وقع بصره على تلك العملة الفضية، كانت وهماً على الطاولة أمامه. حركها بسبابته، تراجع قليلاً ثم حركها مجدداً دون أن يعرف من أين ظهرتْ. “لا أريدك أن تتفاجأ”. تكلمت العملة. تفاجئ بشدة. صوت طفل صدر منه، مرتعباً.
“اللعنة، سيجن حتماً”.
“بدأتُ أفقد عقلي”. صارح المسن نفسه.
“لا تهتم لهذا -قالتْ العُملة- تماسك فحسب”. نظر إليها، كانت تبدو غريبة بعض الشيء وفضية، إنما لا يكون من الصعب معرفة بأنها غير حقيقية. حين كان أصغر سناً بأربعين سنة كانت إحدى هواياته، العبث بالأوراق النقدية، ظل يعبث بأوراق النقدية المرسومة بإتقان داخل بعض الكتب، وقتها كان يحادثها، لا شيء يدعوه لأن يتذكر ذكرى بعيدة كهذه، لذا أصر أن يتطلع في كلمات قصيدته بعين وإلى الساعة بعين أخرى.
“تتجاهلني”.
“غير معقول”.
“تعود  للعقل، أنظر جيداً، أنت لمستني”.
“تتحدثين”.
“ظللت أفعل منذ قرون، لا شيء غريب”.
“لكنكِ قطعة نقدية”.
“في الحقيقة، صورة ورقة، متقنة، نسختي الأصلية في متحف أسباني، إنما هذا لا يمنع أن أتنقل إلى أماكن تواجد صوري، أنت تراني، إنه أمر مريع البقاء في متحف أسباني”.
“حقا؟”. تساءل المسن بفضول.
“جيد، أصبحت تفهمني، لا داعي للهلع، إن الفكرة كلها واضحة، أشعر بالملل، من كل شيء قديم”. عندها تطلع إليها الخمسيني: “أفهم جيداً”.
“أقدر هذا لكن صدقني لن تفهمني، حسناً لا زلت أعاني من عض شاب من تيبستي لعب بي طوال عقد كامل أتصدق، حتى إنه لم يعرف ما أنا”.
“عشر سنين؟”.
“كان ذلك منذ قرنين وستة عقود تقريباً، كنتُ أعبر مع التجار، لكنهم قتلوا أحد الأوروبيين، بقيت بالقرب منه في الصحراء حتى تحول لعظام بيضاء تفتتْ، طوال سبعين سنة، قبل أن تختطفني يد صغيرة، كبرتْ لاحقاً، كنت أرى في بعض الأحيان عينيه، إنما أن تظل مجهولاً أمر مؤلم “.
“لحظة واحدة، تقولين بأنك في متحف أسباني”.
“حدث هذا لاحقاً، إنما نسخي تستطيع أن تدور العالم، في هذه اللحظة، نسخة مني يتم فحصها في الأكوادور، وأخرى غارقة في أعماق جب في جزر الكناري، إنني موزعة على نحو سبعين ألف مكان في العالم”.
“يا ربي”. قال المسن فأجابتْ العملة “لا تهتم، لا يجوز حتى أن يعرفها أحد، إنما أنت أول شخص أتحدث معه منذ مئة وعشرين سنة”. فسألها “هل تحدثي لغيري؟”.
“قبل مئة وعشرين سنة، كنت في حضن فتاة طرابلسية جميلة. تناديني بقطعتي النقدية. لم تكن ترغب استبدالي بأي قطع حلوى”.
“ماذا حدث لها؟”.
“ماتت حين بلغت السبعين”.
“أوه”.
“تركتني وحيدة تحت حجر. لم يكتشفنِ إلا يهودي خلال الستينيات تركني هناك بين حوائجه، بعد أن تفحصني جيداً، ثم هرب بي إلى البلد منشأي، اسبانيا، هناك سلمني إلى باحث، وضعني في متحف يعيدني إلى عصري، أنا التي عبرت العصور، عدت إلى عالم البلطات والمخطوطات العربية، إلى جوار سيف كان يستخدمه فارس قشتالي، وبلطة بربرية، أقدم مني، من عصور الوندال، كانت تُستخدم لقطع الرقاب، بلطة خشنة وصدئة لا تكف عن الحديث الدموي، أتصدق إن طفلاً فقد رأسه بحد السيئ لنصلها، أشعر بالعار”.
سكتتْ العملة، حين رمش الخمسيني بعينيه، لاحظ بأنها بين صفحات كتاب تاريخي عن العملات الأوروبية، دهمه سكون هائل حتى بدأ يسمع لهاث الكتب المصطفة على الأرفف الغارقة في الظلمة كأحصنة تستعد للانطلاق، أغلق أذنيه بيديه، متذكراً تلك العملة التي ألقاها بعيداً حين كان صغيراً لمجرد إنها رقصتْ أو هكذا تخيل. عاد لينظر إلى صفحة الكتاب، فوجدها عملة فضية قديمة جامدة، مصورة من الوجهين، عليها رموز المباركة الإلهية، وصلابة القلاع مع نقشين متقنين لأسدين متحفزين للدفاع عن القلب الشجاع، ونقوش أحرف وتشكيلات مزخرفة، رائعة متدخلة تمثل سطوة ملك اسبانيا، مع درع غرناطي هائل، مزود بإكليل ودعامات بقمة ملكية وقورة، فيما يظهر في الوجه الآخر، الطموح الاقتصادي للعملة، رسم لخريطة العالم محاطة بأعمدة هرقل المزينة بالالتواءات الباهرة، أسفل منها شعار غير واضح، سنة الصك كانت واضحة جداً: 1739″.

13139000_237326306631143_763290100567733067_n

مطاردة هوليودية

سيارة مدنية تطارد أخرى.

الأخرى أيضاً مدنية، بيضاء وصغيرة، بدتْ مرتعبة، أخذتْ تسرع بإنهماك جنوني على الطريق الفرعي، المليء بالمطبات، متجهة بيأس بالغ نحو الطريق الرئيسي، كأن النجاة ممكنة هناك. السيارة الثانية في الخلف، المدنية أيضاً، كانتْ رباعية الدفع، معتمة، ومن كل نافذة يظهر شاب بسلاح ناري مختلف، هي أيضاً كانتْ تسرع بفوضوية بالغة، إنما بثبات تحتك عجلاتها بالإسفلت المغشوش وتحطم المطبات بوحشية شرهة. أخذتْ القطع الصغيرة من الإسمنت الهش تتقاذف في الأرجاء. بدا الشبان متأهبين لإطلاق النار من أسلحتهم، لكنهم لم يطلقوا إلا أصواتهم في صرخات حيوانية. داعشي، داعشي، كانوا يصرخون. واصلتْ السيارة البيضاء اجتيازها المرتعب للسيارات الأخرى المزدحمة بأسلوب روتيني ودائماً كانتْ تجد طريقها، بدتْ جميع السيارات مرتعبة مما يحدث من وراءها. لمحة واحدة خاطفة بمقدار التطلع إلى المرآة الداخلية والتطلع مجدد إلى النافذة الجانبية، حيث تعبر سيارتان بسرعة جنونية، لتصبحا مشكلة خاصة بالسيارات الأمامية، قبل أن يشتعل الفضول لمعرفة نهاية الحدث. الطريق الفرعي طويل للغاية، ومكتظ بالسيارات الي تجمدتْ في أماكنها، لابد بأنه الطريق الفرعي الأطول في المدينة. ومن مسافة ثلاثين سيارة، أمكن بوضوح رؤية السيارة البيضاء الصغيرة تُقدم على حركة بهلوانية، تمثلتْ في انعطافة حادة مركزها شرطي المرور، أثارتْ الغبار بحيث لم ير أحد أين ذهبتا، اختفتا ببساطة وتحولتْ بذلة الرسمية السوداء للشرطي المرور إلى كتل من الأوساخ والغبار فيما أخذ يمسحها بحنق مبدياً دهشته، سُمعتْ من جهة ما غامضة، اطلاقات نارية متتالية. توقفتْ قليلاً ثم سُمعتْ زخات أخرى متتالية.
“لابد بأنهم قتلوه”. قال سائق السيارة الزرقاء هاتفاً، للسيدة التي أوقفتْ سيارتها الوردية عند الإشارة الضوئية بجانب سيارته.
“ماذا فعل؟”. سألتْ بصوت عالي.
“أعتقد بأنه قام بتعذيب وإهانة أحدهم قبل الكرامة”.
“إنه داعشي مختبئ”. أوضح صاحب السيارة البنية، لم يظهر وجهه، إنما صوته بدا واثقاً. إنه داعشي، صحيح، داعشي، داعشي. رددوا جميعاً بصوت ملفت، داعشي بالفعل. بدا من الواضح بأنها الحقيقة النهائية. الحقيقة التي لا يمكن نقاشها بأي حال من الأحوال، المقدس مقدس بلا جدال.
“هيا تحركوا”. قال الشرطي المرور شاعراً بأنه بلا قيمة وكانتْ الإشارة خضراء تماماً، ومع انعطافة الأخيرة، مسح صاحب السيارة الرصاصية المحيط بعينين شرهتين، بحثاً عن أثر ما لسيارتين، عبثاً لم يعثر على شيء. بدل ذراع السرعة واتجه على عجل وبشكل مستقيم، مبتعداً، في رأسه بدأ يحيك خيوط قصة هوليودية.

تمتْ

السلاحف الأخرى بعد ثلاثة قرون

عدد الكلمات 4347

في هذه التدوينة سأخبركم بكل ما حدث تقريباً: داخل الفناء الخلفي للبيت كنا نمتلك سلحفاة بطيئة الحركة، لكن هذا لم يمنعها من محاولات الهرب التي أخذتْ تفشل كل مرة، بإصرار رهيب لم تكف عن المحاولات الفاشلة ثم ذات صباح، اختفتْ.

كانت صغيرة الحجم تبدو لطيفة في كسلها وخمولها الملوكي، إنما لم نعرف عمرها الحقيقي قط. كنتُ أدرك بأنها حتى لو بلغتْ المائة والستين عاماً ستظل في أوج شبابها، يروق لي أن أتخيل بأنها كانت تتجول بذات الأسلوب البطيء عبر وديان الجبل الأخضر حين كان الجيش الإيطالي يحاصر المختار وجماعته المقاتلة ضمن حيز ضيق، ثم إنها شرعتْ –السلحفاة– في الاتجاه غرباً ناحية بنغازي الساكنة والمليئة بالأوبئة العتيقة والقلق الوجودي آنذاك، ربما استغرقتْ رحلتها عدة أجيال بشرية، حين شرعتْ الانطلاق في رحلتها الطويلة، كانت القبائل تتجمع لتجد حلاً لأزمتها العويصة مع قوات العسكرية الإيطالية المعدة جيداً، والمصممة على بسط سيطرتها بقوة السلاح ثم حين وصلتْ إلى بنغازي، وجدتْ بأن القبائل نفسها لا تزال تتصارع متسلحة لأجل نيل مكاسب سياسية، ما حدث هو إن قرابة القرن من الزمان قد انصرم، إنما السلحفاة العتيدة ذات الصدفة العظمية، لا تهتم مطلقاً لكل تلك التغيرات بسبب الفوضى البشرية الخالصة، لطالما شاهدتْ مثل هذه الأحداث حتى إنها ربما تعتقد بأن تكون إنساناً معناه أن تقتل إنساناً آخراً وأن لا تكف عن ذلك ما دمت قادراً.
“لا شك بأنها مسألة متكررة بلا نهاية وإنها على كل حال حلقة مفرغة من القرون، حين فجر ذلك القديم رأس أخيه بحجر حاد، فلم تكف عن الحدوث”.
كنتُ أعتقد بأنها تبلغ هذا القدر الرهيب من السنين، وإنها بالفعل عاشتْ منذ أزمان سحيقة، ثم بدأت أفكر في الفناء الخالي المليء بالأعشاب الندية والأزهار ذات البتلات الصفراء، كانت السلحفاة تتغذى عليها بطرقة لا تقل طرافة وجمالاً عن أسلوب أكل عارضة أنكلوساكسونية، ببطء كنتُ أراقبها دوماً بصمت حتى لا أزعجها وكانت لحظات رائعة، نعم أشعر بروعتها تنساب كاللذة الجسدية العميقة خلال العروق!
حسناً في النهاية اسمعوا هذا، لستُ الوحيد الذي فكر في هذا فقبل مائتي سنة كان هناك قسيس أنغلوساكسوني يدعى جيلبرت هويت، صاحب إمكانيات هائلة تؤهله لأن يغدو أحد كبار رجال الدين في الكنيسة إلا إنه اختار مهنة غريبة بعض الشيء، ترك الأحداث السياسية الكبرى، التغيرات السياسية، الحروب التي تجتاح أوروبا والعالم ثم اتجه إلى تأليف كتاب عن مدينته سلبرن، ليس ما قد يخطر على بالك من صناعات ضخمة أو تجارات رهيبة بل كان يكتب عن عاديات الأمور، كان عنوان كتابه: “تاريخ سلبرن الطبيعي وعادياتها” حتى إنه ألف مجلداً عن سلحفاة وجدها في فترة شبابه داخل فناء لمنزل احدى عماته، يومياً كان يكتب عن ما تفعله هذه السلحفاة، عما تأكله ثم يُرسل ما كتبه إلى صديقه في رسائل متتالية مشحونة بالعاطفة الجياشة تجاه سلحفاته التي سماها بـ: ثمتي.
بعد ثلاثة عقود أصبحتْ السلحفاة ملكه الخاص! ليس لسلحفاتي اسم، إنها في عالم البشر –عالمنا بالفناء– تعيش فقط باسم جنسها، لأنها وحيدة في الفناء، ظلتْ وحيدة لسنوات ثم كانت مجرد لعبة صغيرة بين أيدي البنات الصغيرات في البيت يعاملنها كدمية متحركة لا تستطيع الهرب، ربما كانت الأساطير الليبية القديمة تفسر شيئاً من هذا، الأجداد العصاميين كانوا يعتبرون السلاحف حوريات البحر وقد كتب النيهوم غاضباً رواية كاملة عن هذه النقطة بالذات، نظراً لعظم الموضوع داخل المجتمع الليبي، بالنسبة لي اعتبار السلحفاة دمية أو حورية بحر مساءلة لا تهمني كثيراً ففي اللغة التباوية–التيدا فإن اسم السلحفاة هو: نور. بتشديد النون. وإنها فعلاً مسألة مدهشة، عتيقة وطفولية مليئة بالنور والإيمان، فإن كانت الفتيات الصغيرات يعتبرنها دمية فإن والدتي وجدتي وبقية نسوة الحي يعتبرن السلاحف–الفكرونات باللهجة الليبية مخلوقات مليئة بالإيمان ويمكنها بكل بساطة أن تجلب السلام لأي بيت، وهي مساءلة لا أريد أن أتكبر عليها بالمنطق العقلاني الجاف والساخر كما فعل النيهوم مرة، بل أود فعلاً أن أعتبر المسألة متفوقة أخلاقياً بالمنطق العائلي الشرقي ربما، فالقصص الخيالية حول الحيوانات وسلامتها على الأقل كانت تساعد كثيراً في تهذيب النفوس، تجعل القلوب مليئة بالإيجابية والسلام، فما بالك بمراقبة سلحفاة تتحرك بكل ثقة في احدى الأفنية تمضغ أوراق الخص، البتلات الصفراء، مراقبة تبعث على الطمأنينة!
إنها تقاليد مختلفة ترتبط بأفكار مختلفة، فالقسيس الأنغلوساكسوني، جعل من السلحفاة أقرب إلى مادة دسمة لقضاء الوقت والتقاعد، بل جعل منها رؤية رهيبة للواقع بعيداً عن المسائل الإنسانية التي يعتبرها كثير من الناس بأنها الوحيدة التي تحدد قيمة الحياة، فالأصدقاء والعائلة والجميع يعرفون قيمتك في المجتمع الليبي مثلاً، كلما ازداد نفوذك وخطرك ومعارفك وقدرتك على فعل الأمور الصعبة التي لا يقدر عليها الكثيرون، القس الأنغلوساكسوني ضرب بهذا عرض الحائط، بالرغم من كل مؤهلاته العقلية الكبيرة والتي تؤهله لنيل مناصب كبرى، فإنه وجد السلام في الكتابة عن سلحفاته ثمتي، ربما هو يحاكم المجتمع بفعله هذا أو إنه يستهزئ بالتقاليد البشرية والهائمة بالبطولات والفرسان الثلاثة والروح البوشكينية التي تبارز لأجل الجميلات حتى الموت مع تهيئة الكون للفتوحات النابليونية بواسطة السلحفاة أثبت لنفسه ولمن حوله وللتاريخ بأن كل هذا مجرد هباء، لا يُعمر أكثر مما تفعل سلحفاة خاملة، كان يتساءل مندهشاً عن سبب منح الله هذا الأجل الطويل لحيوان خامل يقضي ثلثي حياته نائماً، فاقداً للإحساس ولا يفيد شيئاً من حياته. إنما هو بمؤهلاته الفكرية أضفى على السلحفاة أبعاداً مختلفة، بدتْ كلها مليئة بالمعاني العظيمة. ففي احدى المرات تلقتْ السلحفاة رسالة من إحدى الجميلات، فتاة كان جيلبرت هويت قد أغرم بها كما إنه حاول الارتباط بها إلا إنها فضلتْ رجلاً آخر عليه، مع انتشار قصة السلحفاة ثمتي، أرسلتْ تلك الجميلة الشابة رسالة شعرية مليئة بالبهجة والحب إلى السلحفاة، قرأها عليها جيلبرت بلا شك ثم كتب رسالة باسم السلحفاة إلى تلك الجميلة التي تدعى هستر ملسو بثها أشواقاً ملغزة مع سيرة ذاتية للسلحفاة استغرقت عدة صفحات مدهشة بأسلوب رائق وخيالي مليء بالإشارات الذكية ومغلف بمشاعر العشق الأول، الشوق، الوحدة ثم ختمها قائلاً:
“إنكِ سيدة مرهفة الحس، ومن أجل هذا جئتُ أبسط قضيتي إليك لتجعليها قضية لكِ، وفي مقدورك أن تعرفي منها شعوري وآلامي –ثم يذيلها بهذه الجملة التي تحمل بصمات شخصين– وأشفقي على سلحفاتك الحزينة”.
تلك القصة العظيمة انتهت منذ قرنين، لكن صدفة ثمتي السلحفاة لا تزال معروضة في المتحف البريطاني علامة على أبدية العشق والأمور العادية، على الأقل للسلاحف سراً بالحوريات البر!
لكنها ليستْ النهاية!
إنها لا تنتهي مطلقاً على نحو مفاجئ، إنما ببطء شديد، تماماً مثل السنين الطويلة لحياة السلاحف، لا يُقدر للإنسان أن يراها تنتهي نهاية طبيعية، إنما يلتقطها شذرات صغيرة كالشعر الفلاسفة، ليكون منها صورة كاملة هي غالباً فسيفساء مستمر في التشكل، على نحو ما غامض تُمثل السلاحف ارتباطاً في الوعي البشري على مدى السنين، فالأهرامات مثلاً توقفتْ عن النمو، إنها أهرامات جادة منذ قرابة مئة وستين سنة، إنما السلاحف لا تزال تنبض بالحياة، لا تزال تحمل حكمة يمكن الغوص فيها لخمس وعشرين قرن في المستقبل، هنا أو أد أن أصوغ فكرتي بحذاقة نيتشوية محرفة للواقع لدواعي شعرية بحتة لأن السلاحف مخلوقات تُعبر عن نفسها ضمن كل حركة، إنما الأهرامات لا تتحرك! لذا فإن قدرتها على التعبير عن ذاتها معدومة، ولا يحدث شيء إلا إن تحرك المشاهد إلى عظمتها على نحو ذكي إلى التساؤلات الفلسفية العقلية التي تمنح الأهرام في النهاية، تلك الهالة الذكية عن قدرتها على البقاء صامدة مع الزمن، علامة على تفوق العقل المصري قبل خمس وعشرين قرن كاملة من العواصف الرملية والاجتياح العسكري الخارجي وتسلط الحكام المحليين بمعونات قادمة من وراء المتوسط، ما سمي ذات مرة بحركة التاريخ، من الواضح بأنها حركة متعلقة بالعقلية الذي بنتْ الأهرامات كما إنها متعلقة بالعقلية التي تتابع تلك الحركة، نحن نشهد هذه الفترة مدى عدم قدرة العقل الإداري في المنطقة من مجاراة تلك الحركة التاريخية بالرغم من بطئها الملحوظ، لأنها في المقابل متوقفة تماماً عن الحركة، وهي بالتالي غير قادرة عن التعبير عن ذاتها بشكل حر، ولا عن منح الأشياء قيمة أكثر من تلك التي يجدونها عليها، قيمة ذاتية أو مفروضة من الخارج، كما إنها تعرف قيمة الأهرامات أو الآثار القديمة لأنها تمنح السياح القادمين من وراء البحار متعة الرؤية والابتهاج والاستنباط أساليب حياتية فعلية ومتطورة ومستمرة في التطور، إنها بالنسبة للعقل المصري الحالي مصدر لكسب الرزق الناتجة عن تلك المراقبة الخارجية، من هذه الناحية فإن السلاحف أكثر قيمة وقدرة في التعبير عن ذاتها والتطور والاستمرار في التطور بلا توقف، وإن تقديسها في بعض الثقافات لم يأتي عن فراغ، فهي تحمل بذور الماضي والمستقبل معاً، لو كان المواطن أو المشرع الفرعوني القديم حياً في هذه الفترة لأقدم على تقديسها هو الآخر، كما عمل سابقاً على تقديس نهر النيل، الشمس والجعران–الخنافس التي كانت تنجح في المساءلة الوحيدة التي أرقتْ العقل المصري آنذاك، الحياة ما بعد الموت، العالم الآخر حيث تبدأ الأمور مجدداً على نحو ما بعد نهايتها في عالمه الحسي، تلك الملاحظة أبدعتْ هذه الفلسفة المتعلقة بالموت، احدى أروع الأفكار البشرية عن الموت، الحب، السلطة والحياة الأخروية، الجنة والنار وكتاب الموتى، في السابق كانت الأفكار تأتي بسبب حاجات المجتمع، وهو ما يجعلها متطورة ومستمرة في العمل، نحن الآن ربما نعيش في فترة تعمل الأفكار على تحديد الحاجات، حتى إن كانت الفكرة غير عملية مثل الفتوى فإن قدرتها على تطويع المجتمع غير عادية وديكتاتورية بدرجة فظيعة، حين تصبح الأفكار مقدسة يغدو البشر مذنبين بأفكار أخرى مدنسة وبمشاعر الذنب لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم بها إلى الأمام، بل ينظر بحزن إلى الخلف دوماً، يعاني ذاكرة مريرة مشحونة باللحظات التي تزيد من مشاعر الذنب لديه، وهي مهمة يتم ترسيخها بإستخدام كلمة سحرية للغاية وهي الأخلاقيات–الأخلاق، والنتيجة إننا نعيش القرن الواحد والعشرين بعقلية القرن الحادي عشر منتهى الخسارة بجانب إنها تضيع رهيب للوقت، ليس هناك أحد يمكن لومه إلا الذات، وهي خسارة أخرى عميقة التأثير، مليئة بالعقد النفسية التي لا ضرورة لها.
هذه الأفكار كانت تدور في رأسي ذلك اليوم! حين جلستُ في فناء منزلنا وأنا أتابع تحركات البطيئة للسلحفاة مدركاً بأنها أسرع بأشواط من كل الدول العظيمة ذات التاريخ الموغل، التي تجاورنا بكل ثقة ورغبة في إثبات الذات، أتحدث عن مصر، تونس، الجزائر، تشاد، النيجر، مالي حتى موريتانيا، إنها مجرد أفكار تعلقتْ بحركة السلاحف البرية، من المغري هنا أن أثبت البيئة التي كنت أجلس فيها حتى يفهم القارئ أسباب التحذلق التي كنت أعيشها، فالنظرية في التعريف الإغريقي هي تأمل لمشهد طبيعي ثم محاول فهم دقائقها أو أسلوب حركتها، وهو ما كنت أفعله في تلك الجلسة، بعد عدة دقائق من مطر دافئ، غدتْ النباتات أكثر إشراقاً، فيما تدلتْ حبيبات الندى على أطراف الأوراق المدببة والأخرى الأقل حدة، في حين كان القصف يستهدف معسكرات الصاعقة، كانت الروائح الربيعية مدهشة حركتْ مشاعر السلحفاة، فأخذتْ تسرع الخطى في الحديقة بلا مواعيد فعلية، إنما باحثة عن متنفس طبيعي لإحساسها العميق بالجمال، آنذاك كنت أحاول كتابة قصة قصيرة عن الحشرات الصغيرة التي تجتاح الحدائق وتدب بين المزروعات لتكون مستعمراتها الخاصة والضخمة، متسائلاً عن إمكانية كتابة نص من خمسة عشرة ألف كلمة مخصص للأطفال، باعتباري كنتُ طفلاً، وربما لا زلتْ، حين رأيت السلحفاة، أخذتني ذاكرتي بعيداً، إلى الوراء، بالقصص المتعلقة بتفسير وجود السلاحف للأطفال، كنتُ قرأتُ عن المعتقدات القديمة لبعض الأديان التي تشرح بأن الكون على ظهر سلحفاة ضخمة مقدسة، أو تلك التي تشرح الأسرار غير المتوقعة للكون في قصة انتصار السلحفاة على الأرنب في إحدى السباقات الجري، تلك القصة التي أثرت في بورخيس عميقاً ثم استطاع فهمها على رقعة الشطرنج، مسألة لم أفهمها مطلقاً وهي بالفعل أسلوب بورخيسي لفهم المغاير للعالم من حولنا إنما بالنسبة لي كان فهم وجود السلاحف مختلفاً بعض الشيء عن القصتين الأوليتين وهي ربما الفهم الذي يوافقني عليه أغلب أبناء جيلي، اعني حين كانت الرسوم المتحركة تجعل من السلاحف أبطالاً سريين وخارقين، فضلاً عن ذلك إنها تحمل أسماء لشخصيات تاريخية وضعتْ بصمتها ذات مرة، رجال من عصر النهضة أمثال ليوناردو دافنشي– مايكل أنجلو رفائيل ودوناتيلو يمثلون جوقة رسامي ونحاتي أوروبا العظام، كان الأمر أشبه بالسر وهي ذات طبيعية أمينة لعالم السلاحف المتعلق بالذاكرة والجمال الهادئ، المعزز بالبطء الشديد، لا يمكن تخيل مثلاً بأن لوحة مثل موناليزا استغرقت سنين طويلة حتى انتهت إلى ما هي عليها الآن، كما إنها استغرقتْ سنين أخرى أكثر طولاً حتى اعترف العالم بقيمتها الفعلية، ما بين العقود والقرون نجد بصمة السلاحف عميقة الأثر في كل شيء متعلق بالفن، الضربات الفنية، فهل يمكننا مثلاً أن نقول بان الرسم نفسه فعل يحمل احدى أكثر صفات السلاحف حميمية، البطء؟. كحركة السلحفاة، بإتقان وهدوء، يستغرق زمناً طويلاً، إنها رمزية مدهشة تمثل عكس ما يمثله المتابع لتلك الرسومات التي تحتويها العين بنظرة واحدة عميقة تنفذ بمشاعر دافقة إلى الروح أو العقل، إنها بمثابة فهم مضاد للبورخيسية، إيجاد أهمية للسلاحف باستخدام رقعة الرسم. ربما لهذا غدتْ السلاحف في حياتي مرتبطة بالزمن والإتقان كما إنها مرتبطة بأشياء أخرى مثل كون السلاحف تستطيع دوماً الارتياح من عناء السير باللجوء إلى صدفتها، حيث تلفازها الخاص، أثاثها البسيط العامر بالكتب والمزهريات الأشبه بالدوارق المخبرية، فهي دوماً تضع نظارتها الصغيرة لتشرع في قراءة كتاب رحلات، هذا بلا شك مجرد خيالي طفولي، رفضتُ طويلاً التخلي عنه لدواعي شرحها ساراماغو في كتابه الذكريات الصغيرة.
إنها تفاصيل ممتعة! أعرف مثلاً قصة عائلة تباوية من ربيانة تمتلك سلحفاة ضخمة، يمكنها أن تتحرك بشكل طبيعي وبطيء فيما هي تحمل على صدفتها العظمية رجلاً يزن سبعين كيلوجرام، يقال بأنها عاشتْ هناك لمدة طويلة، ربما لا تزال تعيش هناك، ستستمر في العيش من بعد وفاتنا جميعاً وهي مساءلة تسبب رعشة باردة في الجسد، لأنها تتعدى المستحيل أو الغرابة.
لكنها بلا شك مؤلمة مع القليل من التفكير الجانبي، فهكذا طول في العيش من دون رفاق من نفس الجنس، فإن السلحفاة ستكون محكوم عليها بالوحدة العميقة والحزن الدائم، فكرة أن تحبسها عائلة ما طوال هذه السنين، أمر مريع لا يلاحظه كثيرون، لكنها جريمة تعتبر في العالم البشري منتهي القسوة حتى أعتى المجرمين لا يحتملون في أغلب الأحوال السجون الانفرادية التي تستمر لأشهر بصحبة الجمادات، يدفعهم الأمر إلى الانتحار فما بالك بالعيش طوال سبعين سنة مثلاً في حديقة مساحتها ثمانين متر، فقط تخيل هكذا وحدة طوال هذه السنين ماذا تفعل في نفسية البشر، وهو ما بثته السلحفاة ثمتي بقلم جيلبرت هويت أمام احدى جميلات الأنغلوساكسونيات، أي بشاعة، أية وحدة وكآبة؟ لكن الأكثر بشاعة أن تعمل العائلات على تأكيد عراقتها باستخدام السلاحف، فقط تخيل أن تزور مواطناً ليبياً من بلدية قصر ليبيا في الجبل الأخضر ثم يخبرك: “أنظر هذه السلحفاة، ولدتْ بعد جد جدي بأيام إنها الآن في المائتين من العمر، حملها جدي مع خلال التفافات عام 1929 حتى 1931 إننا عريقون“.
إنها ليستْ بمسألة غريبة عن التاريخ الأدبي الليبي، فبعض الأدباء الليبيين تخصصوا حصراً في كتابة تاريخ بعض الحواري ضمن المدن، فمثلاً داخل احدى مكتبات بنغازي وجدتُ كتيباً يتحدث عن احدى الحواري القديمة طوال مئة قرن، ذاكراً عائلاتها المشهورة، ثم حدث خلاف بسيط لأن المؤلف لم يكتب عن عائلات أخرى، ثم بعد فترة وجدتُ الطبعة الثانية من الكتاب أكثر سماكة مذيل باعتذار من المؤلف بعد أن زاد بضع عائلات أخرى، إنه مجتمع مسحور بالعراقة التي تصل لمئتي سنة أو خمسمائة في بعض الحالات وهي عراقة تحوزها السلحفاة خلال جيلين فقط!
المعضلة تاريخية في النظر المواطن الليبي.
إنها دوماً كذلك على نحو ما!
خلال عام 2009 تم عرض تقارير صحفية على التلفاز الليبي تعرض قصة القبض على سيارة تنقل قرابة ثلاثمائة سلحفاة إلى الناحية المصرية، كانت تلك السلاحف تم اختطافها من الغابات السحيقة في الجبل الأخضر، سرعان ما أصبحتْ تلك التقارير موجهة أيدلوجياً نحو تاريخ المنطقة، فهذا العدد الضخم من السلاحف يُمثل قرابة ثلاثين قرن مجتمعة معاً بأعين صغيرة تحدق في الواقع المرير لسرقة كل هذه القرون التائهة من تاريخ البلاد، كأن الماضي والمستقبل معاً يتم سرقتهما على الملأ من غاباتنا، النصر السياسي كان واضحاً، النشوة غلبتْ كل شيء، إنما مطلقاً لم يتم عرض الفائدة الأساسية من وجود السلاحف في البيئة الليبية، إلا كونها رموز يتم التلاعب بها من قبل الدول المجاورة، ففي رواية من مكة إلى هنا يقف الفقيه مع مجموعته الغاضبة من الأهالي ضد مواطن أسود البشرة يقوم ببيع السلاحف إلى المطاعم الإيطالية، يقود هذا إلى صراع مرير بين الفقيه والمواطن الزنجي مسعود الطبال، الأول يمتلك رغبة الدفاع عن التقاليد الدينية أو الموز الدينية المرتبطة بالسلاحف والثاني لا يهتم لتلك الرموز الدينية ويرى بأن السلاحف مجرد مخلوقات غبية، يقلبها على ظهرها لكي يضع حربونه في عنقها، إنها الرؤية النيهومية لمعنى سوء الحظ وبطء النمو في المجتمع الليبي، وقد اختار قرية صغيرة على مقربة من الجبل الأخضر، لم تكف السلاحف عن كونها رموزاً دينية داخل المجتمع الليبي الحديث، فالعائلات التي تخرج للنزهات خلال العطلات، لا تنسى مطلقاً أن تعود حاملة حصتها من السلاحف الجالبة للبركة لكل بيت ليبي. لا أحد يريد تنازل عن حصته، لا بد أن تجد سلحفاة تحبو كطفلة أو مسنة في أغلب البيوت الليبية.
حين اختفت سلحفاتنا من الفناء، لم أعرف إن كانت خرجتْ من الفناء إلى الخارج بطريقة ما أم إنها مختفية بين النباتات التي استطالتْ، بحثتُ عنها طوال شهرين ولم أجدها، عرفتُ بأن للسلاحف قدرة اختفاء كبيرة، وإنها جيدة في هذا بشكل ملهم، ففي النهاية هي تحمل بيتها معها، تستطيع أن تجد الألفة في أماكن لا يمكن توقعها مطلقاً، كفناء خلفي لمنزل مبني في منطقة زراعية، وهي مساءلة تتحدى قدرات الإنسان المنغمس في تحسين أسلوب سكنه ليلائم وتيرة التقدم العنيف في العصر الحديث وصلتْ في بعض الدول كألمانيا الاتحادية أن يدفع المواطن تسعمائة ألف يورو لأجل مساحة لا تتعدى مئة وخمسة متراً مربعاً كشقة أو طراز سكني مستقبلي أو السكن في المصانع القديمة والتضحية بالأساليب الحياة الجميلة لأجل الحياة العملية ثم إن أي مواطن ليبي طبيعي يطمح لامتلاك بيت يبلغ حجم حمامه المنزلي –أكرمكم الله– ثلاثة أضعاف من أفضل شقة سكنية في بافاريا الألمانية، وهو ليس كذلك في جميع الظروف. وهي الظروف التي تهم كل مواطن في كل دولة، تكاليف البناء، مكان السكن، الظروف المتعلقة بالراحة، فحين قررنا البناء في بنغازي، كانت الخيارات تزداد سوء، الهجرة نحو المدينة كانت في بداياتها، السمعة السيئة التي وجد عليها البعض الحياة في المدن أثر في الكثيرين من سكان بلدة حدودية مثل الكفرة، تبعد عن أقرب مدينة بنحو ألف كيلومتر، فخلال العقد الأخير من القرن العشرين حاولتْ بعض العائلات الانتقال لأجل السكن رسمياً في بنغازي، ثم وصلتْ الأخبار العاجلة، بمجرد سكنهم أصبحوا يستقبلوا الضيوف، الأفواج الرهيبة ممن يأتون للعلاج، للتسوق، للسياحة حتى إن المنزل غدا مكتظاً على مدار السنة، ثم عرفوا بأن معنى الأساسي لمجيئهم إلى المدينة أصبح بلا معنى، الدراسة، القرب من الجامعات، من التطور، أصبحتْ الحياة أكثر صعوبة، فرب البيت صار يصرف على عائلته ومئات العائلات، عندها حدث الانهيار لأغلب التجارب الأولية، في تلك الظروف اتخذنا القرار الانتحاري بالانتقال إلى بنغازي، وخلال السنوات صمدنا أمام موجات الزيارات العائلية، المرضى، المتسوقين والذين يأتوا للسياحة، كان صمودنا بطولياً، لا يمكن لهم أن يفهموا معنى أن تستقبل على مدار السنة ضيوفاً عائلات كاملة، حاتم الطائي كان سيبكي كطفل لقاء هذه المهمة الرسولية، كل مرة نصل لحدود الانهيار يحدث ما يجدد عزمنا، لو أردتُ التحدث عن هذه النقطة بالذات فإنني سأحتاج إلى رواية من مئة وعشرين ألف كلمة، فمثلاً ذات مرة استقبلنا أحدهم بأفضل ما يمكن أن يستقبل به أحدهم، فوق ذلك منحناه مالاً حين وقع في أزمة مالية، ثم خلال احدى أحاديثنا بعدها بسنوات، أشار لضيف آخر نزل عندنا في احدى الفترات وكان قد صام دون إخبارنا أو أخذ الإذن كما يقول مفسري الكتاب المقدس نفسه، وهو أمر شائع أن تكون مضيفاً وطبيباً نفسياً في ذات الوقت، الأخ الصائم لم يرض عن خدماتنا الفندقية المجانية، فأطلق شائعات كان أول من صدقها هو الضيف الذي قضى في منتجعنا المجاني ومنحناه النقود فوق ذلك، نظرتُ إليه بصمتْ، مدركاً بأن الإنسان احدى أوصافه في المصحف الشريف: الجحود! هل أنا حاقد؟! مطلقاً، لستُ كذلك، فالأشياء السيئة بالنسبة لي دوماً نصوص مستقبلية! مثل هذا كثير، فإحدى المرات أردتُ أن أتطلع من النافذة فوجدتُ أحد الضيوف يتنصت منحنياً لحديثنا من وراء النافذة في الفناء، فارتعدتُ بشدة، ثم فقدتُ إيماني بالبعض، يقال فر من الإنسان المجذوم فرارك من الأسد وهي مساءلة لا تتعلق بالمجذومين بل بالبشر عموماً، كم كان إبراهيم الكوني محقاً في روايته التبر ونزيف الحجر حين جعل بطليه يركضان مبتعدين عن البشر!!
إنما ليس دوماً الحال على هذا المنوال، فبعض الضيوف نتمنى أن يقضون عندنا طوال حيواتهم، إنهم سبب للابتسام والنمو بشكل طبيعي، بعد كل هذه السنوات يمكنني أن أقول بان الصمود في بنغازي بطولة عائلية لا تقل عن صمود الإنكليز في الهند لثلاثة قرون كاملة.
للأسف نحن لسنا مثل السلاحف، نحن لا نحمل بيوتنا معنا خلال الانتقال، نحن نضطر بكل حزن لتركها وراءنا مع كل ذكرياتنا الطفولية المدسوسة بين أحجارها وغرفها، لا يمكننا إلا نترك بعضاً من أرواحنا الهشة في زواياها، ممراتها وحبيبات الرمال في أفنيتها، لا نتفطن لها إلا عند بناء منزل جديد في مكان آخر بعيد، تتحول الذكريات الطفولية إلى ذكريات أخرى متعلقة بالجهد واحتمال الآخرين بالصراخ والكدح والانتصار مع الوقت وهي مشاعر مضادة للطفولة إنما لا بد منها في هذه الحياة، فهي السنة المتعبة طالما استقر قرارنا بأن المدن هي الأسلوب الأمثل للحياة، فلابد أن تجد الطريقة المثلى لتقبل ذلك وهو ما فعلناه، التقينا بمتعهد بناء، أخبرنا بأن المساءلة لا يتعدى ثلاثة الآلاف دينار لبناء منزل، ما يمكن اعتباره عملاً رخيصاً أو النسخة الرديئة من المنازل المرتجلة وهو أمر لم نهتم له بادئ الأمر، عشنا سنتين في منزل للإيجار وهو أمر يمثل دمار روحي لأي إنسان، ثم حدث أن سمعنا في احدى الحافلات من سيدة مسنة –لا بد بأنها ملاك ولا شك في هذا– قالتْ هناك مكتب خدمات عامة يعرض أراضي للبيع.
أخذنا العنوان ذهبنا إليه، والعنوان بسيط لا يسبب التيه، خذ الحافلة إلى منطقة المساكن قلنا للسائق ضعنا عند القوارب ثم على يسار في نهاية الشبكة الحديدية المكتبة، وهو ما قمنا به بكل بساطة، ركبنا الحافلة المقصودة، سألنا عن القوارب، ثم وجدنا ورشة لتصليح القوارب البحرية الصغيرة، ومن هناك من جانب القوارب العاطلة انطلقنا في رحلتنا الفعلية داخل المدينة العتيدة بنغازي. كانت الأراضي المعروضة عبارة عن واحد وعشرين قطعة، مقسمة إلى خمسمائة متر وألف متر، اشترينا القطعة الخمسمائة بأربعة الآلاف دينار ليبي أي ما يعادل ثلاثة آلاف دولار أمريكي، وهو ما يبدو مستحيلاً، ليس في هذه الأيام فقط، بل بعد شراءنا بأشهر أخذتْ الأراضي تزداد أسعارها بشكل رهيب، وفي احدى المكاتب الخدمات العامة، سمع أول مواطن ليبي من بنغازي بأن إحدى قطع الأراضي وصل ثمنها لمليون دينار ليبي، فكاد يجن من فوره، لأنه رآها فارغة ذات مرة بثمن بخس ولم يفكر حتى في أن أحداً قد يهتم بها.
إنها منطقة بعيدة عموماً عن المدينة بحوالي عشرين كم، مربعات سكنية بنتها الدولة خلال الثمانينيات القرن الماضين لكن الأهالي–سكان بنغازي توجسوا الشر منها، بسبب بعدها وعصريتها، فالليبيون تعودوا على العيش مع الأقارب وأبناء العمومة، أن يتم دمجهم مع غرباء عنهم تبدو مساءلة عويصة لأعصابهم لشعب لديه مثل يقول تقريباً ما يلي: أنا وابن عمي على الغريب وأنا وأخي على ابن عمي لا بد من درجات قرابة شديدة للدفاع عن الوجود، وهي صفة معاكسة تماماً للسلاحف، فالأخيرة لا تمتلك مثل هذه الوسائل الدفاعية، فالسلحفاة تنكفئ على نفسها للدفاع عن نفسها، إنما يمكن له أن يكون على الصورة الأعم مشابهاً للسلاحف، ذلك أن المعنى هو الانكفاء على الذات باعتبار أن أبناء العمومة والأخوة ذاتاً ممتدة لذواتهم. الخوف من المباني السكنية مساءلة ليبية خالصة، ففي الجنوب تم الخوف من منطقة سكنية كاملة أعدتْ لإحدى المجموعات العرقية في ليبية، لكنهم أشاروا بوضوح بأن نية الدولة سيئة تماماً، ماذا يعني أن يُقدموا لنا منطقة سكنية كاملة، إنها بوادر للقضاء علينا. لقد قالوا هذا حرفياً في اجتماعهم العاجل، يريدون القضاء علينا، والنتيجة هو كالتالي، ظلتْ تلك المنطقة فارغة لمدة طويلة جداً، وفي حادثة أخرى شهيرة قبل الثورة، ذهب سكان احد المناطق إلى معمر القذافي طالبين من الدولة أن تسمح لهم بالسكن في المنطقة السكنية المجهزة بجانب مدينتهم، ظلتْ مجهزة أمام أنظارهم لسنوات، دون أن تسمح لهم الدولة بالسكن فيها، فما كان منهم إلا أن طلبوا من القائد، فلم يجدوا جواباً، فقرروا معاً أن يأخذوا المساكن بأنفسهم، فاقتحموا تلك المباني ثم سكنوا فيها، خلال ساعات جاءتْ فرق عسكرية معززة بالمدفعية وقطع من الجيش لإخلاء تلك المباني السكنية بالقوة القاهرة وهذا ما حدث تقريباً في كل قرية وبلدة ليبية حتى قُبيل الثورة الكاملة، ثم خلال أشهر من ذيوع تلك القصة، شاهدنا عبر الأخبار التاسعة ليلاً العقيد بنفسه بكل ملابسه الغريبة، يزور تلك المنطقة المنكوبة للأبد، محيياً الجماهير الغفيرة، كان قد منحهم المنطقة السكنية كهدية بابوية، من الدولة لرعاياها الطيبين. إنها منطقة تاورغا يا سادة، التي وقفتْ مع العقيد خلال فترة الثورة المسلحة، ثم حين هُزم العقيد تركوا تلك المنطقة ورائهم وانسحبوا خشية من الإبادات الجماعية من قبل قوات المصراتية المجاورة، التي كانت مسلحة وغاضبة ومدعومة من قبل أربعين دولة ثم حين لم تجد تلك القوات أي مواطن في تلك المدينة شرعتْ بإطلاق النار على تلك المباني السكنية الجديدة، اقتلعوا أنابيب صرف المياه، أسقطوا إمدادات الكهرباء، جعلوها ميداناً لتعليم الرمي، مع ذلك ظلت المباني الواقفة بلا ألم وسط اللا مكان واللا أحد، لقد انتقم الجيش المصراتي الغاضب من كل منزل كناية عن الانتقام من سكان تلك المنازل. لقد قلنا بأن السلاحف تستطيع حمل بيوتها، لكن البشر لا يستطيعون، سكان تلك المنطقة الآن يعيشون في العراء داخل مخيمات، ومنذ أربع سنوات تقريباً، لا يزالون مهددين من قبل العصابات المسلحة، وقد تحدث المصيبة الكبرى خلال أية لحظة وتتم إبادتهم بالرغم البوادر الجيدة.
لم يحدث هذا لسكان منطقة المساكن، فقد شرعوا بتقبل المنطقة السكنية على مضض، أولاً كان لدى البعض ثلاثة مفاتيح لثلاث شقق خالية، استخدمتْ الشقق الجديدة لجلسات شرب الخمور، الحفلات وأشياء أخرى ثم بدأ البعض بحجز عمارات كاملة للعائلات التي أخذتْ تزداد باطراد، في حين قرر بعض الأهالي تهديد أبنائهم المرتادين للمنطقة بالقطيعة، احد سائقي التاكسي اخبرني نادماً بأنه كان يراها فارغة، لكن لم يفكر في حجز شقة، في حين كان بإمكانه حجز عمارة كاملة. أسوأ شقة في المنطقة يتم بيعها مؤخراً بأربعين ألف دينار والسعر يزداد مع الدمار الذي اجتاح جزء كبير من المدينة، خلال فوضى الثورة تم طرد الأجانب من الفيليبين وبيعتْ شققهم بعشرة الآلاف دينار لسلسلة من الأشخاص وليست هناك حكومة قادرة على محاسبة أحد، ففي بدايات الثورة ثم إشعال عدة معارك أهلية داخل المدينة بسبب المنازل التي تم تمليكها خلال فترات الحكم الجماهيري حين أعلن معمر القذافي بأن البيت لساكنه، فأقدم مستأجري البيوت على تمليك البيوت التي كانوا يدفعون قيمة ايجاراتها.
كنت مع مواطن من مدينة بنغازي، خلال البوادر الأولى للثورة الليبية، أقسم أمام وجهي بأنه لن يكتفي باستعادة منزل أهله الذي سحبته الدولة وقدمته لأحدهم فحسب، بل سيقتل ساكنيه، كان متعصباً وغاضباً بشكل مرعب، لم اعرفه في تلك اللحظة كما لم أعرف ماذا فعل بعدها لأنني لم أره مطلقاً، المعارك الأهلية التي انفجرتْ بسبب المنازل، كانت أكثر من تلك التي اشتعلتْ لأجل دواعي سياسية، ربما تكون الثورة العامة نفسها استفادتْ من تلك الثورات الصغيرة التي اجتاحتْ البلاد خلال فترة وجيزة جداً. ذكرتني هذه القصص العرضية بقصص أخرى عرضية متعلقة ببناء البيوت، ففي احدى المرات من أعوام السبعينيات قرر أحدهم البناء في منطقة غير مأهولة حتى إن الأهل وسكان المنطقة اجتمعوا عنده يردونه عن رأيه، بدعوى أنه يبني بعيداً عن الناس وهو ما يمكن تفسيره بأنه كاره للناس عند شعب التبو والتي هي بالمناسبة تعادل في بشاعتها كلمة التكفير الدينية. منزله الآن يقع وسط الأحياء السكنية التي زحفتْ إليه مع السنين ثم تعدته إلى أبعد من منطقته بمراحل فلكية، أصبحتْ قصته دليلاً على المزاجية لدى بعض المنازل، غالباً لكل مواطن ليبي عدة قصص من هذا الطراز الفريد عن البيوت والبناء.
كيف بدأنا هذه التدوينة؟.
كيف وصلنا لهذه الجوانب من المواضيع المختلفة؟.
ربما بمراقبة السلاحف نجد اغلب مواضيع الملحة في حياتنا اليومية، سلاحفنا العتيدة التي أخذتْ تحبو في أرجاء بلادنا منذ قرون سحيقة، ربما بمراقبتها جيداً نجد أسلوبنا الليبي في الحياة، أن لا نغرق في المعضلات السياسية المفتعلة من قبل أناس يُشكلون في أسلوب عيشنا ويفعلون ذلك بأسلوب مرتبك لأجل خلق مجتمع مهزوز فاقد الثقة بالنفس، بسرعة غريبة.
“إننا أيها السادة الكرام بكلمة سمجة نحتاج لأن نتسابق بهدوء وببطء شديد وأن نتقمص دور السلحفاة في السابق لأجل بناء وطننا الليبي وأن لا نأخذ فكر عصر السرعة حرفياً لنغدو كالسلاحف نرتدي ثوب الأرانب!”.
هل يجوز أن نقول هذا؟ أتمنى ذلك! لكن يتوجب علينا أيضاً أن نحافظ على طبيعتنا البرية، بسلاحفنا العتيدة، لأنها تمثل الكثير من الأشياء المهمة في حياتنا اليومية التي أخذتْ تتسارع كشهاب ساقط!

تمتْ