حوليات شبه ليبية

عام 1911 رستْ البوارج الإيطالية بمحاذاة السواحل الليبية فبدأت بقصف المدن باتصال، بعدها بسنة واحدة كان القائد التركي مصطفى كمال أتاتورك يقاتل بيأس مع الجنود العرب والقبائل الليبية تحت قيادة ضباط أتراك ليشهد بأم عينيه اللا تركيتين مدى العبء الذي تعانيه قيادته التركية بسبب دفاعها المستميت عن أراضي بعيدة عن تركيا نفسها، إنها مسألة ميئوس منها، لاحقاً سيعلن مصطفى كمال أتاتورك نهاية الخلافة العثمانية، الباب العالي والدولة العلية، تاركاً الولايات المريضة البعيدة والتي كانتْ تستنزف من الخزينة التركية ومن الجند الجيش التركي كما كانت تستهلك الكثير من قوة الإمبراطورية المتهاوية، بدت ذات مرة مشرقة كالشمس.

كان ذلك عام 1924 بعدها بسنتين فقط سينشر الروائي الأمريكي أرنستْ همنغواي روايته: ولا تزال الشمس تُشرق The-sun-also-rises همنغواي كان أحد شهود العيان على سقوط الإمبراطورية العثمانية، ذكر بعض القصص عنها في مجمل أدبه، كان قد ولد عام 1899 وبعدها بسنة واحد، خلال عام 1900 انتهت آخر مراحل السلمية في الدعوة السنوسية ضمن الصحراء الليبية، الجماعة الدينية التي أسسها الإمام محمد بن علي السنوسي ثم تركها في عهدة ابنه المهدي السنوسي في احدى أكثر مراحل الدعوة نشاطاَ وسلمية بحيث كسبتْ مساحات واسعة من الأراضي دون أن تنجح رسمياً في تأسيس قوى عسكرية مثل الحركات الدينية الأخرى، ظلت الحركة السنوسية تتعامل مع شعوب ذات طبائع مختلفة، لا تقاتل إلا فيما تراه فعلاً من صميم مصلحتها المعيشية، كانت شعوباً تمتلك حروبها الخاصة، نجاح السنوسية كان يتوقف على إيجاد أساليب إيقاف تلك الحروب المعمرة، لذا ظهور السنوسية بالنسبة لتلك الشعوب كان أشبه بعطلة طويلة لتخلص من القتالات المرهقة والتي استمرت لعقود طويلة، السنوسية جاءت بالسلام مؤقتاً ثم اعتمدتْ على الاقتصاد لتثبيت نفسها، انتقلتْ القوافل ربما للمرة الأولى منذ قرون بسلام تام، فشهدتْ منطقة السنوسية حركة تجارية مزدهرة، جلبتْ لها ثروات هائلة، لكن ذلك انتهى كله خلال عام 1900 ثم بعدها بسنة واحدة فقط ولد أريك آرمار فولي دي كاندول، الذي عمل دبلوماسياً طوال أربعين سنة في شمال أفريقيا، ثم قُدر له أن يُؤلف كتاباً عن السنوسي الأخير الملك الليبي الأول بعنوان: “الملك إدريس عاهل ليبيا حياته وعصره“. نُشر الكتاب عام 1988 في طبعة خاصة من 250 نسخة آنذاك كان طغاة الجيش الليبي قد أسقطوا حكم الملكي سلمياً، في البدء ثم دخلتْ موجة رهيبة من الحروب الأهلية المقنعة.
كان دي كاندول قد شارك في العمل الإداري والاستعماري، تولى منصب كبير مديري ولاية برقة الليبية ومنح نوط قادة الإمبراطورية البريطانية خلال ديسمبر 1948 قبلها بسنة واحد كان إبراهيم الكوني قد ولد في الصحراء الليبية. دي كاندول ساهم في استقلال ليبيا كوطن حر بسيادة كاملة عام 1951 بعدها بأقل من سنة واحدة تحترق العاصمة المصرية القاهرة، ثم يظهر ضباط يحكمون مصر عسكرياً طوال العقود اللاحقة بعد إسقاط عائلة محمد علي باشا، بعد حكم عائلي استمر لقرن من الزمان، كان محمد علي باشا قد انفصل عن حكم الأتراك، فيما تخبط أبناءه بعده بين الابتعاد والاقتراب، في حين كانت الحكومة العثمانية نفسها تترنح حتى أنهاها أتاتورك بقبضة قوية، لتعيش البلاد طوال العقود اللاحقة في تقاليد جديدة أعادتْ الروح التركية قوية من الأناضول، وفي داخل احدى شوارع اسطنبول يولد طفل سيدعى أورهان باموق، يُقدر له أن يتبع خطى أتاتورك بأسلوبه الأدبي المميز في البحث عن روح وطنه ضمن التفاصيل الطفولية، سيزرع مشاعر الشك، الرؤية الصوفية البلهاء، الإحساس المرضي بالعشق والولادة الجديدة مع تفاصيل بوليسية في كل شوارع اسطنبول، تفاصيل معادية لكل التوجهات السياسية لتركيا التي يعيشها في حالة أشبه بما عاشها أتاتورك، إنما هذه المرة، كان باموق يشهد استعداد بلاده لأجل الغرق مجدداً في أحلام توسعية ولو لأمتار قليلة، كان يرى ذلك تدميراً لتقاليد أتاتورك التي عاش كل متناقضاتها!!
بعد ولادة باموق بسنتين، فقط، أرنستْ همنغواي يمد يديه بحماس لاستلام جائزة نوبل للآداب بعد أن كتب إحدى أروع قصص البشرية بعنوان الشيخ والبحر The-old-man-and-sea، هذه الرواية القصيرة بالذات كانتْ قد نُشرتْ في نفس سنة ولادة أورهان باموق، وقبل أن تتم الدولة الليبية سنتها الأولى، كما إنها ستساهم في خلق تلك الروح القوية التي تمتع بها جيل الستينيات، الذي ولد في أتون الحرب العالمية الثانية، فالإنسان قد يهزم، إنما لا يمكن تدميره – هكذا كتب همنغواي في نصه العبقري بالنسبة لأدباء الشعوب المهزومة كان همنغواي شمساً، وهم أشبه بدوار الشمس. أحد هؤلاء كان يدعى غابرييل غارسيا ماركيز كولومبي نحيل كعصفور مبتل، يحمل أوراقاً كثيرة، يعمل بجهد صحيفة كاملة، يكتب قصة كل يوم، يكتب الشعر ويذوي بهدوء كأيقونة من شمع، ثم ترك الشعر الأبله متجهاً إلى عالم القصص مصحوباً بقوة أدب همنغواي، عام 1958 سينجح في نشر رواية قصيرة تعادل الشيخ والبحر قوة وإلهاماً بعنوان: ليس للكولونيل من يكاتبه. خلال تلك السنة بالذات سينشر الصادق النيهوم في احدى الصحف المدرسة بالمملكة الليبية نصاً بعنوان: شعب يكتب تاريخه بالأغنية.
في المكسيك دخل غابرييل غارسيا ماركيز عامه الثلاثين محملاً بمخطوطات نصوصه الأدبية ضمن حقيبة صغيرة، تمثل كل ثرواته الزمانية. بعدها بعقدين ونصف، كان أورهان باموق يتنقل كالتائه خلال شوارع نيشان طاش الراقية، مهزوم المشاعر برواية ضخمة ظل يحملها كمخطوط طوال خمس سنوات كاملة حتى دخل عامه الثلاثين دون أن يوفق في نشره، كان يكتب آنذاك روايتين سياسيتين مختلفتين، يعيش في بلاد يمسك العسكر بمقاليد الحكم فيها، كما تشهد انقلابات عنيفة واغتيالات سياسية مع اعتقالات واسعة بين المثقفين المهددين على الدوام. كانوا يعيشون لحظات الخوف، تماماً مثل فترة ماركيز الضعيفة حين كان الديكتاتورين القادمين من الجيش يضربون عرض الحائط ببراءة الشعوب، لم يكن باموق كما لم يكن ماركيز، لم يكونا بقادرين على النشر الأدبي في بلديهما بسبب تلك الطغمة العسكرية، فيما هرب ماركيز إلى الخارج نافياً نفسه، نحو باريس أولاً إلى جوار عشرات الأدباء من أمريكا اللاتينية، ففي الخمسينيات القرن الماضي غدتْ باريس ملجأ للكُتاب الأمريكيين اللاتينيين الجائعين، بضبط كما كانت ملجأ الأمريكيين الشماليين الجائعين أيضاً خلال العشرينيات ذات القرن حتى إن الغرفة الباريسية الباردة التي أوت غارسيا ماركيز الجائع والمفلس، عادت لتأوي ماريو باراغاس يوسا الذي كان بدوره مفلساً وجائعاً، بلاده بيرو يحكمها طغاة الجيش، ثم هاجر غارسيا ماركيز إلى المكسيك حيث كتب أفضل رواياته باللغة الأسبانية التي منحته خيارات عدة فيما ظل باموق محاصراً ضمن لغته التركية التي أبقته فقط داخل تركيا، حتى وهو في الإمبراطورية الأمريكية. يؤكد التاريخ الأدبي إن الكاتب التركي حين يخاف من الطغمة الغاشمة في بلاده فلا أمل له ضمن لغته الأم في الخارج، ليس دوماً ربما الصمتْ فقط أو اللجوء إلى اللغة الإنكليزية في الشقق الأمريكية المطلة على الحدائق العامة كما فعل باموق نفسه، إنها بمثابة ملاجئ آمنة بالنسبة للأتراك.
ذات مرة لجأ غارسيا ماركيز إلى السفارة المكسيكية مطارداً من فرق الموت الكولومبية المعدة لتصفيته جسدياً، فيما عاش أورهان باموق تجربة التهديد بالقتل حين تم اتهامه بإهانة القومية التركية، فلجأ إلى تعين حراس شخصيين لحمايته، تلك الظروف التي يعمد رجب طيب أردوغان إلى إنتاجها من جديد، خلال هذه الفترة الحاسمة في التاريخ السياسي للمنطقة بداعي حماية تركيا، أورهان باموق أعلن مؤخراً خلال ديسمبر 2014 فيما هو على أعتاب إطلاق رواية جديدة بأن تركيا أصبحتْ دولة بوليسية.
العثمانيون الجدد يحكمون بأسلوب الدسائس! بقيادة أردوغان المراوغ الذي شن حملة خطابات واسعة النطاق ضد مسلسل فني يتحدث عن القرن الذي حكم سليمان القانوني نصف الأرض فيما حكم الفاتيكان النصف الآخر. تم مواجهة تلك الخطابات الحمقاء بموجة مظاهرات واسعة على رأسها الممثل الرئيسي لذلك المسلسل الذي يحمل عنواناً ملهماً وهو: القرن العظيم. إنها تركيا صاحبة القوانين الرهيبة التي لا تلغى، لكنها تراجعتْ أمام سطوة الطليان مرتين في قرن واحد، واحدة حين هربتْ من ليبيا والثانية حين ألغتْ حكم الإعدام على عبد الله أوجلان الزعيم الكردي.
نحن نعرف هذا النقص في العقلية التركية الحاكمة! لسنا نحن فحسب، وهم يعرفون ذلك! إنه يؤرقهم على نحو مزعج وملح! لكن التاريخ الذي أصبحنا نعرفه جيداً خلال هذه الفترة يقول بأن إيطاليا وتركيا أصبحتا ضمن حلف واحد، حاولتا بقدر الإمكان الاستفادة من الاقتصاد والثروات الليبية، قبل أن تشرعا للعمل معاً من أجل إسقاط معمر القذافي، عكس ما كانا يتنافسان في إظهاره حتى إن أحد رؤساء وزراء إيطاليا قام بتقبيل يد القذافي فيما قبله أردوغان بحرارة على وجنتيه الديكتاتوريتين المجعدتين.
خلال عام 2011 أعلنتْ تركيا بأنها ضد العقيد، إثر ثورة فبراير، بعد أن كانت أعلنتْ بأنها إلى جانب العقيد الدموي، ثم عرفتْ خطئها الاستراتيجي الفظيع بسرعة الحلزون النفاث، فحاولت إعادة إصلاحه بالأساليب العثمانية القديمة، وشهد العالم كيف إن الشعب الليبي أرجع إحدى السفن التركية البلهاء المحملة بالأغذية، كان الليبيون إذ ذاك في أوج مجدهم الروحي، فعلمتْ تركيا بأنها فقدتْ ليبيا للمرة الثانية خلال قرن واحد، كانتْ أسوأ خسارة تتعرض لها كما كانت أسوأ مئة سنة من البعد بالنسبة إليها فيما يخص هذه المنطقة من شمال أفريقيا. ليبيا التي حكمها معمر القذافي بعد إسقاط النظام الملكي سبتمبر 1969 حكماً ديكتاتورياً تحت غطاء ثوري استمر لاثنين وأربعين سنة كاملة. قبل تولي القذافي حكم البلاد بسنتين كان غابرييل غارسيا ماركيز مبتهجاً بصدور روايته الرمز: مئة عام من العزلة.
كان الكولومبي قد ولد عام 1928 بأراكاتاكا شمال كولومبيا، بعدها بسنة واحدة أخرى سيقوم بينيتو موسوليني بإرسال الجنرال الدموي رودلفو غريتسياني المنتصر من إقليم فزان ليقذفه في وجه عمر المختار في شرق البلاد والياً على بنغازي وما جاورها، عندها سيقوم بحملات واسعة، يقصف القرى امتداد حتى الجنوب البلاد، كما سيعمد على اختراق الجبل الأخضر مجدداً بقوة ساحقة، وبالمدافع الثقيلة، غريتسياني الجنرال سيشعل ليبيا بلهيب الثورة والجنون لأجل عظمة روما الفاشستية، سيقيم معسكرات للاعتقال لشعب بأسره، يقيم المشانق، المحاكمات، يوجه الضربات القاسية، يحرق المزروعات ويصادر الأراضي، غريتسياني سيأخذ حالة البلاد إلى أقصى توتراتها الممكنة. عامي 1929–1930 كانتا من أفظع أعوام المقاومة المسلحة الليبية، في ذلك العام حدثت أمور نفسية رهيبة كما وقعتْ هزائم روحية لا تعالج وقد شهدتْ أيضاً حروباً ومواجهات بين الشعبين الإيطالي والليبي، كان الليبيون بدؤوا يقاتلون لوحدهم، لا يدعمهم إلا مشاعر الضعفاء في العالم المحتلة بلدانهم ينظرون إلى ليبيا كما ننظر نحن إلى كل مكان خلال هذه الفترات، بيأس بالغ، في النهاية يتم القبض على عمر المختار سنة 1931 ليحكم عليه بالموت شنقاً أمام جزء كبير من شعبه الذين قاتل لأجلهم.
العالم لم ينس أؤلئك المقاتلين لأجل الحرية بداية عام 1911 حتى الثلاثينيات، أول من يتبادر إلى الذهن هو التركي العظيم مصطفى كمال أتاتورك الذي قضى نحبه خلال عام 1938 نفس عام وصول بينيتو موسوليني إلى ليبيا–الشاطئ الرابع ضمن استقبال مهيب تم تقليده خلالها سيف حامي الديار الإسلامية.
حين كتب الأديب المصري عباس محمود العقاد مقالة طويلة عن الشخصية الفريدة التي يتمتع بها أتاتورك، كان همنغواي أصدر روايته الباهرة: وداعاً للسلاح A-farewell-to-Arms الرواية عن قصة عشق مأساوية تولد في إيطاليا خلال الحرب العالمية الأولى بين لا منتمي أمريكي وانجليزية قلقة. كان بطل همنغواي قد تطوع كسائق لعربة إسعاف ضمن الجيش الإيطالي، وأصيب في ساقه خلال إحدى الهجمات بسبب قذيفة سقطتْ بالقرب منه، بقي على إثرها في المستشفى لمدة طويلة وكان قد رفض أن يعالجه طبيب عسكري برتبة الكابتن أول، فيما غرقتْ ليبيا التي تركها الإيطاليون بين يدي ملازم ثان مهووس بالعظمة، سيظل حاكماً حتى يبلغ التاسعة والستين، كان يسعى لهزيمة الشعب روحياً، كما سعى في أواخر حياته لهزيمته جسدياً، إنما الانسان –في صفحات أدب همنغواي– قد يُهزم ولا يمكن تدميره. قالها في الشيخ والبحر، التي جاء فيها أيضاً: “من هزمك أيها الشيخ؟”. فأجاب: “لا أحد لكنني توغلتُ في البحر أكثر مما ينبغي”. فهذا الكتاب الصغير المستحيل كان هو أكثر كتاب أثر في الأدب الليبي الحديث، كما أثر في أغلب الأدب العالمي، غارسيا ماركيز أحد أكثر الأدباء الذين تأثروا بالشيخ والبحر حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1982 وهي السنة ذاتها التي ظهر فيها كتاب أورهان باموق الأول: جودة بيك وأولاده فيما كان ينهي بصمت روايته الثانية: البيت الصامت.
حاز هو شخصياً خلال عام 2006 ذات الجائزة ليروي للعالم قصة والده التركي الذي ظل يكتب طوال حياته ليغدو شاعراً تركياً، إنما لم يكن يرغب في تجريب ذلك في بلد فقير القراء، بدلاً من ذلك ترك حقيبة مليئة بالأوراق، منحها لابنه قبل وفاته بعامين، لحظة مأساوية يتحدث عنها أورهان في محاضرة الجائزة. كان تبرير العالم العربي لحيازة باموق لجائزة نوبل هو إنه تحدث عن تفاصيل المجازر الأرمينية والكردية، التي قامتْ بها الحكومات التركية منذ أواخر عصر العثماني حتى السبعينيات القرن الماضي، ذكر تلك المذابح خلال لقاءاته الصحفية، مقالاته السياسية مما دعا الحكومات التركية لمعاداته رسمياً، حتى إنها دفعتْ بالمتطرفين القوميين لملاحقته، إنها معضلة يشترك فيها مثقفي كثير من بلدان المنطقة، فبعد الفتوى الرهيبة التي أصدرها الخميني ضد سلمان رشدي والطعنة التي تلقاها أديب النوبل نجيب محفوظ، وملاحقة عشرات الأدباء والمفكرين بالفتاوى والتهم الجاهزة من قبل مؤسسات لا تقل عنفاً وسطوة عن أي جيش استعماري في التاريخ، مؤسسات تنفذ العقوبات العنيفة ثم تفكر في تبرير تلك العقوبات بداعي حماية المنطقة أو حقوق الشعب أو حتى دفاعاً عن الله. هذه هي النهاية المنطقية التي وصلتْ إليها المنطقة كلها، من إيران إلى أطراف القارة الأفريقية باتجاه الأطلسي، لا تجد إلا دولاً مليئة بالحزن والجيوش القاتلة، أنظمة مستعدة للفتك بشعوبها، وهي في الحقيقية غير قادرة إلا على فتك بشعوبها أو التسلل إلى أعماق الدول المنكوبة التي تعاني الثورات لأجل خلق توترات تُشعرها بالتفوق، أو بكل بساطة تدخل في حروب متكافئة مع جيرانها التي تماثلها سطوة، الخاسر هو فقط الجندي الذي يُقتل أو تقطع أطرافه، ذات مرة تساءل الصادق النيهوم: وطن أم مصحة؟ إنها ذات الأسئلة التي دارت في عقل الإيراني علي شريعتي! ذات المشاعر التي يرددها أورهان باموق، محمد زفزاف وإبراهيم الكوني وعشرات الأدباء من ذات المنطقة، إنهم يستخدمون أوصاف مشابهة تماماً باختلاف دولهم واثنياتهم.
وهي مسألة كانت تعتبر تحدياً في بدايات الدولة الليبية الحديثة على يدي آخر السنوسيين وأول ملكوهم والوحيد على الإطلاق، إذ كانت الدولة الليبية مترامية، تعصف بها الشكوك القبلية والجهوية وهناك بنيات عسكرية كاملة مسلحة من القبائل المستعدة لخوض حروب لا تقل ضراوة عن تلك التي اشتعلتْ على الأرض الليبية قبلها بسنوات، السلاح الأمريكي، الإيطالي، الإنجليزي حتى السلاح الألماني كان يعج في البلاد، كما كانت الأفكار الضيقة والمتطرفة مع شيوخ قبائل ذوي توجهات رهيبة بعقليات راديكالية مريعة تقف خلف الأحداث الرئيسية ألا وهي العمل على تأسيس دولة ليبية آمنة، في لجان يرأس إحداها أريك آرمار فولي دي كاندول بحماس واضح لوضع بصمة في التاريخ، وهو يتحدث بإعجاب عن قدرة السنوسيين على إلغاء تلك العقليات المتعصبة بشكل طبيعي وسليم، بحيث يمكن تعين شخص من شمال ليبيا على مركز ديني شمالي التشاد ثم نقله مجدداً إلى شمال ليبيا دون أن يخلق هذا مشكلة عصبية أو عدم قبول، إنما هذا لا يعني إن السنوسية نجحتْ بالفعل في القضاء على العقلية القبلية ففي بعض مدن الشمال، وكما يمكن أن يتخيل أحد ما، لم يستمر التنوع الاجتماعي والثقافي طويلاً داخل المدن الليبية، إذ انتكستْ الحياة الاجتماعية حتى أصبح الليبيون يُشككون في وطنية البعض الآخر من الليبيين، الحكم الديكتاتوري قدم بكل سرور كل الإمكانيات للمؤرخين وشيوخ القبائل لتوضيح هذه الخصلة السيئة بأكبر طريقة ممكنة، فانتشرتْ تلك الكتابات التي بدتْ مولعة بجعل الشعب الليبي كأنه شعب خرج من بطن أم واحدة –أعني أبناء الشعب– تم رفض الاختلاف، اعتبرتْ الإثنيات المختلفة مجرد كذبة استعمارية، تم إعلان بأنهم عرب، التبو أصبحوا مهاجرين من اليمن وإنهم عرب أقحاح، الأمازيغ هم صنهاجة صاروا عرباً بأدلة لغوية تم التكريس لها من قبل مؤرخين وأساتذة جامعيين، النتيجة كانت أن الشعب كله صار مقتنعاً بأن البلاد لا تتحدث إلا بلسان واحد ولا تدين إلا بدين واحد وأي اختلاف كان الشعب مستعداً لتحطيمه تماماً بيد من حديد، مع الوقت صارتْ الدولة غارقة في أوهام تاريخية مدعومة بأدلة من عقول يتم احترامها بسبب نفوذها لدى الدولة الديكتاتورية، ليس بسبب قدراتها العقلية الفائقة في المنطق. وتلك النتيجة كانت تتضح في خسارة الدولة قبل سقوطها نهائياً بسنوات طويلة، أصبح الخوف والشك من الآخرين بمثابة تفاصيل الحياة اليومية في كل ركن من أركان البلاد، تم تتويجها أخيراً بالعنف الرهيب المصاحب للانتفاضة التي شهدتها البلاد.
القبائل التي تم إعادة شحنها بالتاريخ المزيف، والتي فقدتْ التسامح، بدأت تفكر في الوصول لحكم البلاد، بالأسلوب البربري القديم، فلم تعد هناك إمكانية تأسيس أي دولة فعلية حتى بتلك التكاليف الباهظة من الأرواح والمقدرات الاقتصادية التي أصبحتْ مطمع الجميع، القبائل تشرع حروبها الخاصة، المؤسسات بلا قيمة، الجيش صار يُمثل أولاء الدم، وما حدث ويحدث تغدو مساءلة مجهضة لفكرة إعادة الدولة. خلال الثورة المسلحة ضد نظام العقيد، اخترقت القبائل كل مؤسسات الدولة، أكثر مما كانت قادرة عليه من قبل وفي أي وقتْ. بدا إن نجاح الثورة مرتبطاً بإقناع القبائل التي تمتلك إمكانيات واسعة لإنجاح أي تحرك سياسي أو عسكري يطمح للحكم. وهي مساءلة شرعية جداً، لذا كان من الواضح بأن التغيير على الأرض كان مرتبطاً بانضمامهم إليها.
هذا ما حدثْ، انتصرت القبائل في إيصال صوت الثورة إلى العالم، على مشهد الدنيا توالتْ المظاهرات والبرقيات الانشقاق والانضمام إلى قوى الثورة، كان مشهداً مدهشاً بالفعل، ذلك النظام الذي تسلل فيها الضعف إلى أوصال حكم ديكتاتوري صمد لأربعة عقود، كان لا يزال قوياً. لا أحد يشك بأن التدخل الأممي كان حماية لتلك القبائل من الإبادة، وهو ليس بغريب على التاريخ الليبي. إنما الصورة اتخذت مظهراً آخر.
القبائل المنتصرة صارتْ تفكر بتوجيه الثورة الجديدة إلى اتجاهات أبعد مما قُدر لها، اجتمعتْ في محاولات واضحة لوضع خطط تخدم جهات تستخدم العنف ضد الإثنيات الأخرى وسرعان ما اشتعلتْ الحروب الإستباقية بدعم واضح من زعماء القبائل التي لم يجد رجال الثورة، مؤسسي الدولة المزعومة مفراً من دعمها من أجل تلك الحروب ومنحها غطاء سياسياً، من نتائج تلك الحروب ظهور هيئات سياسية مغلقة كهيئة المحاربين وتجمعات مسلحة مختلفة منها كتائب الدروع التي انتشرت عبر البلاد بشكل واضح، الدولة الثورية التي ولدتْ بفضل رجال القبائل كانت مجرد ألعوبة مقيتة، أداة ضرب بأيدي سياسيين أشبه بظلال لحلقات فارغة.
إنها ضريبة السياسة الليبية، لا بد من الخضوع لتلك القبائل، حتى هذه اللحظة ظهر نوعان من سياسي البلاد أحدهما النوع الأول انصاع تماماً لكل رغبات القبائل يمثلهم مصطفى عبد الجليل الذي يقال بأنه كان يختم القرارات المتناقضة والمضادة لكل الأطراف، وقد اشتهرتْ قصة خلال فترة تحطيم أضرحة الأولياء فقد كانت المجموعة السلفية التي حملت على عاتقها هذه المهمة، تمتلك قراراً بهدم الأضرحة مختوم من مصطفى عبد الجليل، لذا كانت ترى بأن واجبها شرعي دينياً وسياسياً، فيما كان الطرف الآخر المدافع عن الأضرحة، يمتلك بدوره ورقة مختومة من عبد الجليل بمنع هدم الأضرحة، وقد حدثت مواجهات مسلحة أمام الأضرحة وسقط بعض القتلى.
هذا بالنسبة لنوع الأول أما النوع الثاني فيمكن توضيحه في علي زيدان القادم من ألمانيا الاتحادية الذي وقف تماماً في حالة أشبه بسور برلين في وجه القبائل والجهويات، ثم اتخذ قرارات حديدية مثيرة للجدل، منعتْ القبائل من الاستفادة المباشرة من الأموال والمناصب وتلك المنافع الكبيرة التي تحصلتْ عليها بعد الثورة مباشرة ثم وصل به الأمر إلى التدخل في منطقة الهلال الخصيب التي ترى قبائل الشرق بأنها منطقة مقدسة بأدلة تاريخية تسبق ظهور النفط، وزادها البترول قداسة، وهناك أمام أعين العالم كادتْ تقع مواجهات كبرى، أدتْ في النهاية إلى سقوط علي زيدان في تناقضات الواقع اللا سياسي الليبي دفعته أخيراً للهرب بسرعة حماية لفروة رأسه، فيما قادتْ الوضع لهذا التشظي الواضح تحت ستار قبلي، مناطقي وتاريخي، مؤكدة بأن فكرة الاستفادة من الحراك القبلي الصرف، سرعتْ الأمور دوماً نحو التطرف ومن ثم فقدان السيطرة على ذاك التطرف الآخذ في النمو، بعقلية غير سياسية، إنما بفعل الأحكام المسبقة والطموحات الشخصية المناقضة للدولة التي يحلم بها السياسيون ولو جزئياً. وهو أمر تم هزيمته على كل حال، فالمؤسسات لا تجمعها عقلية سياسية واضحة، لا أحزاب ولا تنافس حقيقي لبناء البلاد، إنما الصعود المشبوه، الانتهازية والخلل الفكري، مقومات مريضة تتحكم في كل أركان الدولة، جميع المؤسسات المفترض إنها تؤسس كياناً يتم تسميته بالدولة حتى الهيئة التي تم تنصيبها وانتخابها لأجل خلق دستور يجمع الليبيين، لا يقومون بذلك بالطريقة الصحيحة، إنهم يمهدون البلاد لحروب جديدة، فيما يعتمد ذوي الأصول العربية في اللجنة الدستورية على أيديهم وأذرعهم يُطلب من الإثنيات المختلفة –التي يتم تسميتها بالأقليات، ليس لجلب حقوقها إنما لتأكيد الكرم الذي يتم منحه إياهم بمجرد الاستماع إليهم– يُطلب منهم الاعتماد على أصواتهم غير المسموعة، في حالة عدم سماع تلك الأصوات فإن النتيجة ستكون بلا شك سماعاً إجبارياً لأصوات الرصاص لأجل الحقوق ولهذا قامتْ الثورات من أساسها الأول. لم تعد الشعوب تكتب تواريخها بالأغاني كما كتب النيهوم الطالب، إنما صارتْ تكتب التاريخ بالدماء بحسب العادة القديمة ذاتها!
لسنوات بسيطة قالتْ البلاد مثلما قال همنغواي قبل قرابة القرن من الزمان: وداعاً للسلاح، لكنها مع الوقت عادتْ بقوة إلى حمل السلاح ضد الدول المجاورة، بقيادة عسكرية تزداد تعنتاً، كانت استحوذتْ على البلاد بعد أن أقصتْ الحكم الملكي السنوسي وقررتْ مناهج مدرسية غاضبة، تدعو إلى القومية بشكل عصبي مقيت، خلال سنوات قليلة، صارت ليبيا من دولة متعددة الثقافات إلى دولة بلا ثقافات حقيقية إنما رؤى تنبؤية معروضة في ثلاثة كتيبات صغيرة بشروح ضخمة، وصارت الحياة تمهيداً فعلياً للعود بالبلاد إلى حكم القبلي الصرف، بعد أن كانت حكماً صوفياً منسوباً لطريقة دينية، صارتْ منهجاً قبلياً بعقلية الشعر البدوي المتمرد والخشن والمليء بالتلميحات وسوء الطوية، كل شيء في الدولة تحول إلى مجرد ظل شعري فادح الخشونة والحدة. وهو فعل غريب حقاً، مساءلة لا يمكن فهمها بسهولة، فالملك القادم بعقلية ولدتْ من القبلية يصنع دولة تعتمد على المؤسسات، فيما القذافي القادم من مؤسسة مثل الجيش يعيد الدولة إلى الفكر القبلي، يرسم لنفسه تسمية قبلية، يضع منهجاً متخبطاً مزيج من الاشتراكية والقبلية والعصبية العرقية التي سماها بجراءة تصل حدود الوقاحة بالقومية.
في احدى مقالات الثمانينات ضمن الناقد نشر الصادق النيهوم تحذيرات لم يقرأها أحد من المثقفين أو العسكر فيها ملاحظات رهيبة عن الخطر الذي تجلبه الأفكار القومية من تخلخل في النسيج الاجتماعي للبلدان، إنها تُبشر بالتفكك بحسب القوميات، لأن كل قومية، ستعمل على التكريس سياساتها لقوميتها فقط، مما يفتح المنطقة أمام تيارات لا شك ستعصف بالاستقرار أكثر مما هو مدمر، تلك التوقعات الصادقة تحققتْ في أقل من نصف قرن، نحن نعيش الآن واقعاً مهدماً، من دول بلا مرجعيات حقيقية، تسعى لتكوين تجمعات عسكرية لضرب تجمعات أخرى ساهمتْ في تأسيسها. في مصر تم إبادة الأخوان المسلمين سياسياً، على الحدود السعودية حشود تجمعتْ لضرب الحوثيين وأشباح نظام الإمامة وبقايا حكم ديكتاتوري سابق، كانت الحكومات السعودية والمصرية ساهمتْ في ظهورها قبلها بسنوات. حتماً ثمة ارتباط وثيق بين الدول، بطريقة ما هذا الارتباط هو ما يسبب التوترات الكبيرة، وكذلك هذا الارتباط نفسه هو السبب في شقاء بعض الشعوب التي يمارس عليها تفسيرات تم استنتاجها من واقع دولة مجاورة، وهو الارتباط الذي يدفع المفكرين والمثقفين من الشعوب إلى تبني واقع شعوب أخرى، فالمثقف الليبي يضع خطط مثقف مصري في برنامجه كأنها خطط تم نحتها لليبيين خصوصاً، في حين يرى بأن خطط شخص ليبي من أثنية مختلفة بأنها لا تمت للبلاد بصلة، هذا التفكير يعيق كثيراً توحد الدول من الداخل، ويسبب تسرب الأفكار من وراء الحدود إلى مجتمع يعاني تفككاً واضحاً، حتى تلك الأفكار الجيدة تغدو كأنها فتات يتم إلقائه من مرتفع شاهق لا يمكن تقبلها، لا يمكن التطلع إليها، بل سيعمل أفراد التجمعات المغايرة البحث عن نقيض تلك الأفكار، أي فكر مضاد للحفاظ على الهوية، الأفكار الخاصة وأسلوب حياتها، لذا نشهد بأن الانقسامات الداخلية يتم السيطرة عليها بتحالفات خارجية، فالتحالف العربي الأخير هو خير مثال، إنها موجهة ضد الأفكار المخالفة في وسط الدول التي تتحكم بشكل أحادي على الحكم السياسي، وتضطهد الملايين من أفراد شعوبها، إنه تحالف لا أخلاقي بشكل واضح، ولا يمكن إلا الشعور معه بالأسف، لأن كل أثنية مختلفة، كل تجمع مختلف أصبح معرضاً لضربات العسكرية والإبادة الجماعية وهو ما فعلته القبائل الليبية بكل سرور في مناسبات كثيرة طوال القرون الثلاثة المنصرمة، وهو ما واصل القوميون العسكر في فعله، وهو ما يُحرك التجمعات الدينية أو الجيوش المظلمة في أغلب الدول التي لم تعد دولاً.
في السابق يمكن ملاحظة الحماس في مقالات شخص مثل عباس محمود العقاد الذي كان يهتم بالأفكار المتعلقة ببنية الدول الحديثة، هو يرى بأن أشخاصاً من أعراق مهجنة أكثر قدرة على التحكم بالدول الجديدة والحفاظ على استقلالها من ذوي الدم النقي المزعوم، ثم ضرب مثاله بمصطفى كمال أتاتورك الذي لم يتوانى على التحالف مع الأتراك الأصلين بالأناضول فيما هو هجين من دماء الأوروبية والتركية كما إنه التجأ إلى صيت رجال الدين في كل مكان حتى جمع جيشاً للحفاظ على استقلال تركيا ثم قام بتحطيم الصنم العثماني بضربة واحدة وإلى الأبد، العقاد معجب بقوة ذوي الدماء الهجينة، وهو فكر وإعجاب لا يشاركه فيهما الكثير من مثقفي بلداننا التي غرقتْ خلال حياة العقاد ضمن موجات قومية أفضتْ إلى إنتاج ديكتاتوريات صغيرة على طول الخريطة لا تهتم مطلقاً لمعاني العميقة في التنوع الاجتماعي بقدر اهتمامها بعدم تعقيد ساحة الحكم لديهم، بسبب قصور قوانينهم، استعجالهم على إبراز قوتهم القاهرة كظلال الرب على الأرض، كنا نمتلك حكاماً بأسماء ملك الملوك، أو آخرين يتلقون المبايعات عن طريق الدمى الورقية، أو ثالث يصل للحكم بوثيقة فرعونية تذكر اسمه الأزلي في خضم مشاكلهم وجنونهم الوجودي لا تعود قيمة التنوع مهمة، بوسعهم التضحية بنصف الشعب لأجل إشباع طموحهم الشخصي. البيت لم يعد صامتاً، الشعوب نفسها حين تدخل مضمار السياسة كمجموعات قبلية، فإنها تقود الواقع السياسي إلى عسكرة رهيبة يجد فيها الديكتاتوريين ملاذهم الروحي الأكثر قيمة، حدث هذا في بلادنا ليبيا، حدث في مصر، حدث في قرابة عشرين دولة همجية في الشرق الأوسط، بوسع كل مجموعة عرقية مستعدة لتحطيم المجموعة الأخرى التي تراها منافسة، في العراق قام الجيش القومي بتصفية الأكراد بمجموعات كبيرة، جففتْ مناطق كاملة من المياه استمراراً لمعركتها ضدهم، في ليبيا تم إقصاء أغلب المجمعات العرقية، دمرتْ لغاتهم الأصلية وارتباطهم بها، سحبتْ منهم الجنسية الليبية كأنهم عار عليها، قادتهم إلى معارك ضد بني جلدتهم، جعلتهم ينظرون إلى أنفسهم جهات غير حقيقية الوجود بسبب التاريخ المزيف، كل هذا بسبب اعتماد الحكام الديكتاتوريين على قوة المجموعات الأخرى، العنصرية، الإقصاء، الظلم، الثنائيات، كلها مجرد كلمات لا تعبر حقيقة عن الواقع المؤلم المتحقق وكذلك الواقع الرهيب الذي هو على وشك التحقق، حين قامتْ الثورة في ليبيا مثلاً كانت هناك فرصة لتخلص من الإرث المريع، إنما الواقع السياسي صار أشد تعقيداً، التناقضات التي خلقتها الحكومات الديكتاتورية بمختلف خلفيتها، ما تزال تداعب خيالات تلك القبائل أو التجمعات التي غدتْ بمثابة بؤر للجيوش المظلمة، وهي في ازدياد، والتحالفات العسكرية العربية لن تزيدها إلا توسعاً، ربما لن يفهم أحد طبيعة المعضلة، لأنهم ينظرون إليها من ناحية التاريخية فقط، كأن الحكومات الديكتاتورية التي تحكم المنطقة بالمنطق الديني والعسكري، طرفي الساحة الدقيقة التي تجد الشعوب نفسها في خضمهما، دون خيارات حقيقية، هذا الواقع هو الذي أنتج تشي جيفارا ذات مرة، إنه ذات الواقع الذي خلق الثورات في الدول الأوروبية، عاشوا تناقضاتها على مدى عقود طويلة خلال القرن العشرين، بعض الدول الأوروبية لا تزال تعاني تبعات هذا الواقع المقيت، لكننا هنا نُرجع المساءلة إلى أكثر من ألف وأربعمائة سنة كاملة، لكي نتجنب قول الحقيقة بأن الحكومات العربية، الملكيات الصغيرة التي تتحكم بها القبائل والأهواء الشعبية، هي سبب وجود هذه الجيوش المعتمة.
التغير الثوري المزعوم لم ينجح في تخليص الدولة من التدخلات القبلية، بل ساهمت في تعزيز قدرة القبائل في التحكم بالمؤسسات الدولة، هذا من شأنه تعزيز قدرة الجماعات المعتمة على التسلل الأجهزة الأمنية، لأجل استخدمها في زعزعة بعض المناطق داخل الدولة الواحدة، فما بالك بالدول المجاورة التي أخذتْ تعلن صراحة خوفها من بعض الأسماء التي فرضتْ نفسها سواء امنياً أو سياسياً في الدول المجاورة لها، وخير مثال على ذلك هو عبد الحكيم بالحاج الذي يبدو أن كل مواطن تونسي الدولة المجاورة لنا مقتنع بأنه وراء أغلب المعضلات الأمنية في تونس، وكذلك الأمر مع مصر، كأن تلك الدول العتيدة تخلصتْ من التناقض الاجتماعي في مساحتها الأرضية، وهو ما أشكك فيه دون أن أنزه أي شخص ليبي عن التهم الموجهة إليه، فتلك التهم يقترفها البعض داخل دولته بالذات، وهي مساءلة لم تتجاوزها حتى أكبر سادس دولة إسلامية، عضو الحلف الأطلسي، الجمهورية التركية التي تعاني بشدة من عدم قدرتها على فصل الطابع العرقي عن دولتها، الطابع العرقي المدمر الذي يدفع الأكراد إلى تذكر دوماً بأنهم أكراد وليسوا أتراكاً، وهو طابع الدول القومية الأخرى أو تلك التي اختارت المذاهب الدينية كموجه للحكم السياسي فيها، فإنها تصنع مجاناً عدوات ضد ذوي المذاهب المخالفة لمذاهب دولهم، هذه الدول المزدحمة في الشرق الأوسط، عدا نماذج يمكن تعدادها بأصبعين من اليد الواحدة، ليس بسبب تفوق قدرتها العقلية عن الباقي إنما بسبب الطبيعية الاقتصادية لبلدانهم التي طغتْ بسطوة قاهرة على حاجتهم لسن دولة الإقطاعية التي يطمحون إليها. عندنا في ليبيا مؤخراً حروب ذات طبيعية عرقية، اختصرتْ المعارك في كل بقعة على العرق المخالف–تقريباً. فالكول أغولية يحاربون القبائل العربية، فيما انضمتْ إليهم القبائل غير العربية من الأمازيغ، الطوارق، لأنها ترى بأن المشاريع أو المبادئ التي بُنيتْ عليها المعارك هي في عمقها موجهة ضدها، وهي ليست بالمطلق، اعني التقسيمات العرقية!
مسألة متعلقة بالحكومات العربية نفسها، صاحبة الطموح الكبير فيما يتعلق بالحدود التي تخص الدول الأخرى، فالعراق اقتحمتْ الكويت، سوريا اتجهت لاحتلال الأردن ذات مرة ثم قضت عقوداً في لبنان، ليبيا حاولت ضم التشاد، هناك خلافات بين المغرب والجزائر، كما إن مصر سيطرتْ على العربية سوريا لفترة طويلة، كذلك تدخلتْ في اليمن السعيد، خلفتْ هناك أضراراً لا تزال الدولة اليمنية تعاني منها، إثر إسقاط نظام الإمامة وإدخال البلاد في حروب أهلية متسعة، ثم حاولتْ مراراً اقتطاع أراضي من ليبيا بشهادة كبار سياسي العالم وهو ما أعلنه صراحة أريك آرمار فولي دي كاندول في كتابه عن الحياة الملك السنوسي، حاول المصريون خلال فترة ما قبل الاتفاق على استقلال ليبيا أن تأخذ على عاتقها الوصاية على ليبيا، في حالة تعذر التوفيق بين ولايتي برقة وطرابلس الغرب، ثم طالبتْ بضم إقليم برقة إلى مصر ودمجها بها مما سبب توتر بالغ الأثر بين سياسي البلاد والمصريين، الذين استغلوا نفوذهم القومي في محاولات لزعزعة الأمن في ليبيا، حتى إن تلك الجماعات التابعة لمصر في بنغازي هاجمتْ منزل أريك آرمار فولي دي كاندول في محاولة سيئة الإتقان لتحريك مشاعر الجماهير ضد قراراته الإدارية، وقد فعلتْ مصر ذلك دون الرجوع إلى السيد الأمير إدريس السنوسي، الزعيم المفترض للبلاد منذ أكثر من ربع قرن، كان ذلك في الفترة الملكية المصرية، ثم خلال فترة حكم جمال عبد الناصر، حين طالب الملك اقتراض مليون جنيه من مصر الشقيقة طالب جمال عبد الناصر تنازل الملك عن منطقة الجغبوب التي تمثل المقدس الروحي للحركة السنوسي، إذ تضم قبر مؤسس السنوسية وجد الملك، طالب جمال أن يتنازل الملك عنها لصالح مصر في اهانة لا تغتفر –ذكر هذه الحادثة إبراهيم الكوني ضمن مذكراته التي صدرتْ مؤخراً– إنما الملك الليبي تناسى المساءلة والسنوات التي أعقبتْ ذلك عدة تدخلات صريحة للشؤون الليبية من قبل الحكومات المصرية، حتى إن احد أفراد بعثاتها الدبلوماسية حاول تثوير الطلاب ضد الحكم الملكي، حتى معمر القذافي الذي أسقط الملك ثم تلقى دعماً مصرياً، دخل في موجهات عسكرية مع مصر بسبب الحدود، إنها أحداث وقعتْ قريباً جداً من عصرنا، لا يزال صناعها أحياء، لا يزال يسمع الليبيون تصريحات من أشخاص مثل محمد حسنين هيكل –عن إشكاليات تزيد من قلق أي متابع– بأن هناك أراضي محسوبة لليبيين وهي من حق مصر، دائماً الحديث يتم عن منطقة برقة الغارقة مؤخراً في موجهات أنستْ الكثيرين الخطر الوشيك.
الصداقات مسألة تغدو مضحكة أمام الطموح السياسي! ذات مرة سدد ماريو باراغاس يوسا الأديب البيروفي لكمة قوية إلى وجه الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، بعد خلاف سياسي، كان الجميع يُدركون ذلك عمق الخلاف بين الأديبين، الاختلاف في الرأي حول زعماء الحكومات، حول الحرية الرأي والتعبير، احتجاز بعض الشعراء في كولومبيا بشكل تعسفي، الخلاف بين بيرو وكولومبيا، بيرو التي انتهكت السيادة الكولومبية مراراً من أجل السيطرة على غابات المطاط، ولا يزال الوضع الرهيب قائماً، وقد مات غارسيا ماركيز دون أن ينجح احد في إنهاء خلافهما، أكبرهما ولد عام 1928 والثاني بعده بتسع سنوات وكلاهما ولدا قبل أن تستقل مصر وليبيا معاً، فهل يمكن لليبيا أن تنسى الطموح المصري بهذه السرعة! كما إننا ننسى بأن فشل هذه الدول في تقديم إستراتجية جيدة للتعامل مع هذه التناقضات، وعدم قدرتها على كبح طموحاتها، تشكل احدى الأسباب الرئيسية لظهور هذا الجماعات اللامعة. ربما، قريباً سيكون رائجاً تكوين مثل هذه الجماعات لأجل نيل الحقوق.
في بيرو كانت الجماعات المسلحة للحكومات تلاقي الرواج فعلاً، كذلك في كولومبيا، غارسيا ماركيز الذي تلقى جائزة نوبل فيما بعد، كان احد المتعاطفين مع العصابات المسلحة، كما كانت العصابات تكن له الاحترام البالغ، ذات مشاعر الاحترام كان يجدها الكاتب البيروفي ماريو باراغاس يوسا، وقد كتب كثيراً من أفكاره حيال العصابات المسلحة في روايته: شيطنات الطفلة الخبيثة. كان متعاطفاً بشدة مع تلك العصابات وقد عقب الأديب التركي على هذه النقطة الإنسانية للعصابات على الأقل أكثر من الحكومات الحالية التي لا تهتم للشعوب أكثر مما تفعل العصابات المسلحة، فأي حكم أخلاقي تعتمده الشعوب لمعرفة الأسوأ بالنسبة إليها، هناك مثل يتحدث عن شخص استجار بالنار من التربة الساخنة.
إنها مسألة خيارات المتاحة، وقد تفهم الأدباء الثلاثة المساءلة على هذا النحو، كلا منهم جاء من دولة عاشتْ تجارب الحروب الأهلية والأحكام المسبقة، شاهدوا نتيجة ذلك على أمزجة الشعب، ثم أبدوا أراء استحقوا عليها ثلاثتهم جائزة نوبل للآداب كما أنهم يمتلكون قاعدة كبيرة من القراء الجيدين حول العالم: غارسيا ماركيز، ماريو يوسا وأورهان باموق، كما يقرأ لهم كبار النقاد ومكوني الرأي العام في أكثر من خمسين دولة، لا يمكن تفنيد آرائهم دون أخذها بعين الاعتبار، بالرغم من إن السياسات الجديدة في العالم، خلقتْ نوعاً من اللا مبالاة في كل شيء وبالأخص في التحركات السياسية، حتى ليبدو للوهلة الأولى بأن المشاريع السياسية الكبرى، غدتْ مجرد تحركات مصاحبة للملوك والزعماء ذوي النظرات الضيقة والبعيدة عن الأخلاقيات الفعلية بالرغم من إنها تنمو كل يوم وتزداد قوة، مستمدة قوتها من تسميات أخلاقية مزعومة. لم تعد المعركة والهزيمة هي أساسيات الحياة، إنما فكرة اللا مبالاة التي أخذتْ تشمل الحياة ببطء، الاكتفاء الذاتي، السيطرة على مصادر الأموال، تمحور العالم حول اتجاه معين دون الأخذ بالاعتبار الاتجاهات الأخرى، أي أن تقف مع الجانب القادر على أن يُقدم لك القدرة الكاملة في العيش السعيد، لم تعد المبادئ هي ما تحدد قيمة الأفكار، إنما ما يمكن لتلك الأفكار أن تمنحه من العيش السعيد، تفكير مقيت سمم بناء الدولة عقب سقوط الديكتاتور، حين شرع ذوي الأفق المحدود وأصحاب المصالح الشخصية بالتكاثف في الممرات الحكومية، مدعومين بصيت القبلي لكل منهم، بحيث لم تكن الدولة قادرة على إرجاعهم إلى بيوتهم، لأن هذا يعني خسارة قطاع كبير من مؤيدي الثورة الوليدة، كانت الثورة تعتمد كلياً على أبناء القبائل، وهو ما ساهم في وقوعها مباشرة في التناقضات والأخطاء وسبب لها فقدان الشخصية في عمق المشكلات السياسية والعسكرية التي عصفتْ بالدولة عقب المرحلة الأولى من الثورة–17 فبراير حتى وصل فيها الناس سريعاً إلى مرحلة إعلان كراهيتهم البالغة لكل ما حدث من تغيير، ولا يمكن لأحد أن يلوم أحداً على إعلان آرائه بكل حرية، والتي هي بالمناسبة صفة اكتسبها الشعب مباشرة عقب الثورة، ففي الفترة الديكتاتورية لم يكن أحداً قادراً على إبداء آرائه في أي شيء، ليس لأن النتيجة ستكون وخيمة من السجون المعتمة وخسارة المجتمع، إنما بسبب عدم وجود آراء وهيئات مختلفة، خلال هذه الفترة بالرغم من الاغتيالات السياسية بسبب الآراء، لا نكف عن إبداء آراءنا لأن هناك شيء أساسي تغير في المجتمع، فالموت بسبب الرأي لم يعد يراه الشعب إهداراً للوقت أو عدم جدوى، إنما هناك فكر راسخ باحترام الذات التي قتلتْ في سبيل الحقيقية، فالشهداء الرأي أصبحوا أيقونات ولم تضع كلماتهم هباء، إنما رسختْ بقوة في أذهان الناس. لا أدعو إلى فكرة مرضية للانتحار لأجل القضايا الكبرى، لكن الحقيقة لا يخسر من يُقتل لأجلها، أليس هذا ما تحدثت عنه جميع الأديان والمبادئ الرفيعة، ألم تُخلق الشعوب الكبرى نتيجة هذه القرارات التي تكررتْ في تاريخ البشرية بشكل متساوي، وهو مكسب رفيع، اكتسبه الشعب الليبي بعد الثورة، منذ المرة الأولى، بقي أن نقول بتحفظ: للأبد.

 

تمت

عدد كلمات: 5409

 

Advertisements